سياسة وتاريخ

الشارع.. مقام التاريخ والحرّية

يمكن أن نقول أنّ الشارع العربي يشهد الموجة الثانية من الرّبيع العربي، أو الحراك المؤسّس لمسارات الرّفض السلمي لسلوكات سلطة استمرّت وأمعنت في غبن المواطن العربي واستهدفت شخصيته ووعيه وكرامته، إذ لا يمكن أن نتصوّر بأنّ شعبا ثوريا كالشّعب الجزائري أديرت دولته لأكثر من أربع سنوات من خلال “صورة رئيس”، أو سلطة تفرض رسوما على وسائل التواصل المجانية كالواتساب والفايبر والسكايب، كما هو الحال بالنسبة للبنان، هذه الضغوط ولّدت انفجارات فجائية وغير منتظرة على مستوى الوطن العربي. فكيف استغلّت الجماهير الشوارع والميادين كفضاءات للتجمهر تعبيرا عن رفض السلط القائمة؟

الشارع.. التاريخ والسّبيل:

تعتبر الأزقة والحواري في الحضارة العربية المحضن الأوّل لما سيعرف لاحقا بالشارع والحي، والزقاق العربي لم يكن واسعا، إذ كما يعرف تاريحيا أنّ عرض الزقاق كان يحدّد بمرور “حمار” عليه شوال، ذلك أن الحمار هو ما كان يعبر الزقاق كدابة لحمل قمامة الساكنة، وأهم ما كان يميّزه هو “القنديل” المضاء بالزيت، فأصبحت الحركة داخل الزقاق يمثلها ضوء “القنديل” كإدراك للمسار، ومرور “الحمار” كوعي للنظافة.

إن التطور الذي شهدته المدن أدى إلى ذلك التحوّل العجيب في الزقاق كوظيفة وكفراغ وكفضاء، فاتسعت المساحة وتكثف الفراغ وتحرك الفضاء، فأصبح من الناحية الاجتماعية والوظيفية تعبيرا عن العلاقة بين المواطن ومؤسسات المجتمع، لأنّه السبيل الوحيد للوصول إليها، ولم يقتصر على ذلك فحسب، فتطلعات الإنسان ليست اجتماعية فقط، وإنّما سياسية أيضا، ولهذا جمع إحسان عبد القدّوس مقالاته السياسية تحت عنوان “على مقهى في الشارع السياسي”، كتبت رصدا لأحداث سياسية ما بين عامي 1976 و1978، والمعنى الكامن في “الشارع السياسي” إعلاميا هو حالة الفورة التي تنتابه في حالات الانتفاضة أو الثورة أو الاستفاقة التوعوية التي يدرك فيها أنّ السبيل الذي كان يوصله إلى المؤسسة، هو ذاته الذي سيصبح فضاء للاحتجاج ضد سلبياتها وقصورها عن أداء وظائفها، أو للمطالبة بحق اغتصبته سلطة قوية متنمرة ضد مواطن أعزل مسالم.

الشارع.. الوعي والرّمز:

الوعي بالشارع ليس مردّه فقط إلى حالة الانتكاسة التي شهدها المواطن العربي على مستويات عدّة، اجتماعية وسياسية واقتصادية وأمنية، لكنّه لحظة وعي بتطور الشارع عبر تاريخية نظيفة شكّلتها المدينة العربية بأزقتها وحواريها ودروبها، فأساس الزقاق تاريخيا هو معيارية “الحمار” الجامع للقمامة، وبالتالي يصبح التواجد الشّعبي الحراكي المطالب برحيل الأنظمة الفاسدة تعبيرا بدئيا عن الكنس التاريخي للقمامة التي تطهر الزقاق من نتانة المخلفات الفاسدة للبيوت، فلا يمكن لحالة التنظيف أن تتراجع في الوعي إلا إذا كان الزّحف المشوّه لنموذج السلطة غالبا ومرعبا في انتشاره، وهو ما يمثله التغول المتفشي للديكتاتورية والتقهقر المريع للديمقراطية، ولهذا تشكو شوارعنا من الفوضى في هندستها المعمارية وفي اتساخها، لأنّ المخيال الواجد للتصورات البنائية لا تحكمه الحرّية في إرساء نظام عمراني تضبطه منظورات بيئية تعبّر عن مدى تغلغل المفهوم السياسي وإدراجه ضمن المفاهيم الخادمة للمستوى الاجتماعي أوّلا، لأنّ المدينة ومنها الشارع مفهوم اجتماعي بالدّرجة الأولى.

الشارع.. الوعي المتبادل بين الثائر والقاهر:

تعتبر علاقة الشارع بكافة مكوّنات المدينة الأخرى كعلاقة العقل بتسيير مؤسسات الدولة أو الكيان الجامع للأفراد السياسيين والاجتماعيين، فليس الشارع بنية منفصلة عن حركة الوعي، لأنّه لو كان كذلك لما قدّم المواطن في الأنظمة اللبرالية الضريبة طواعية راضيا بذلك، ليقينه بأنّها سوف تعود على المدينة في صورة أشكال بنيوية ناجزة تعبّر عن وعيه المتقدم وحالة الرّفاه التي ينشدها الإنسان، ومن أهمّها الوضع العمراني للشارع، فالشارع الديموقراطي نظيف متسع منظّم بعلامات مرورية واضحة تسهّل الحركة في إطاره دون مخاوف من انزلاق أو صدام، وهو ما يظهره غياب الحُفَر في الشوارع، والتي لا تكشف على المستوى الرّمزي سوى استواء العلاقة بين المؤسسة والمواطن، وهو ما يعني “تأسيس السلطة على اختيار شعبي”، وهي “من صنع الشعب وخاضعة لإرادته”، كما يقول برهان غليون، ولذلك لا تفتعل العثرات والعوائق في سبيل الوصول إليها، وكلما شهد الشارع الشعبي كثرة الحواجز الأمنية، والإيقاف لحركته ليتسنى المرور المريح للزعيم وزيرا كان أو مسؤولا كبيرا أو رئيسا للدولة، فلا يعبّر ذلك سوى عن الفاصل الكبير بين الإرادة الشعبية الحرّة والسلطة السياسية القاهرة، وهو ما يمكن الانتباه إليه في تخوّف عمر (رضي الله عنه) من العقاب الإلهي في مقولته الشهيرة: “لو عثرت بغلة بالعراق..”، وهو رأس السلطة الذي لا يريد أن يفصل الفرد أي عائق في سبيل الوصول إلى وليّ الأمر،  لذلك تستفيد الثورة الشعبية من بعض عناصر السلطة الفاسدة لتواجهها بها، وعليه بني الوعي اللبناني الشعبي فكرته لسدّ الطرقات وغلقها أمام الحركة كحالة وعي بديل ومتبادل مع سلطة لا تفهم سوى ما تمارسه من لغة.

الإحساس الجمالي بالشارع:

إنّ الشارع كينونة حيّة تبادل البشر ما يتشاركونه معها من سلوكات واهتمام ومحبّة، ذلك أنّ “إغناء التجربة الشعورية بالدلالات الجديدة والقيم الجمالية هو ما يكون أساس النظم الفنية والأدبية”، كما يرى برهان غليون، ويدخل ضمن التجربة الشعورية ذلك الإحساس الجمالي بالشارع، فيتأسّس رمزا موحيا بأعمق الدلالات الوجودية المصاحبة للكينونة الإنسانية، ومن هنا تأخذ الكيانات معناها الإنساني، فالشارع كوحدة مصاحبة لابد أن يأخذ من المصاحَب مرجعيته، لذلك تأخذنا الدهشة من نظافة ونظام الشّوارع في المدن الغربية، ونتساءل لماذا شوارعنا تسمها الفوضى؟ نطرح هذا السؤال لأنّ الوعي بالشّارع لم يرتق إلى درجة الإحساس بالتأثير الخفي والظاهر للبنيات على مسار وحركة العقل، وذلك من خلال تبادل المنافع لأجل خلق الجماليات الممكنة والقادرة على تحفيز الوجود من حيث هو صديق وليس عدو، وهو ما تقوم به فعاليات  استغلال الطاقات المتجدّدة أو التنمية المستدامة التي تهدف إلى تكريس صداقة الإنسان للبيئة.

 الوعي بالحرّية.. حراك الكادحين:

لا تمثل الحشود المتحرّكة في الشّارع فقط تلك الحناجر المنادية بالحرّية وسقوط الأنظمة الفاسدة، و لكنّها تمثل في حقيقة الأمر معنى أن يدرك الإنسان أنّ ما يتحرّك فيه من فضاء ليس هملا أو جمادا لا روح فيه، بل بالعكس، إنّ توجّه الإنسان إلى الشارع يمثل الانتفاضة الكبرى داخل الذات باعتبار سكونها سكونا متعدّيا وحراكها أيضا حراكا متعديا، لهذا عندما نزل سارتر مع قلّة من مفكري فرنسا وفنانيها كفوكو ودلوز وأيف مونتان إلى الشارع مساندة للثورة الطلابية عام 1968 واعتقلته السلطات الأمنية، أفرجت عنه بعد أن قال ديغول: “من يستطيع أن يعتقل فولتير.. أتركوه حرّا”، لم تأت هذه الحرّية من تلقاء نفسها، ولكنّها تبلورت داخل أطروحة الشارع كفضاء للتقابل المرآوي بين الذات والفضاء الذي تتحرّك فيه كقيمتين تمتلكان نفس الروح المنتجة للوعي، وهو ما تحاول أن تقوم به الأصوات المنادية بالتغيير في لبنان والجزائر والسودان والعراق، إذ أن إصرارها على الحركة داخل الشارع ليس فقط لإسماع صوتها والنزول عند رغبتها، فإذا كان الأمر كذلك فهو مشاحنة لا غير، ولكنّه التحدّي الجوهري والعميق للسكون الذي يحيل واقع الإنسان إلى مفردة مهملة في قاموس الحياة الحركي، الذي يتطلب الثورة الدائمة في واقع الذات والواقع الذي يحضنها، وهو المعنى العميق في الآية الكريمة: “إنك كادح إلى ربك كدحا”، فالمسار النّهائي للإنسان هو الحق، وطريق الحق حركة دائمة ضد العطالة، والكدح تعبير واقعي عن سيرورة الإنسان الطامح إلى التغيير، والذي يجب أن تكون عينه على مكامن الإعاقات خلاصا للذات من قيود العبودية للنّفس وللطغيان، وهو ما أدركته الشعوب في حراكها ضد الظلم، وإلا كيف نفسّر تحوّل الشارع إلى حالة من الحيوية والحركة العملية التي تشتمل على كل متطلبات الحياة من مؤونة ومساعدة وحوار وفن وطبابة..، إنّها الإرهاصات البدئية لثقافة عملية تطلع من الشارع، وتتجلى بعديا في كل منابر الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وهو ما حقّقه الشارع المصري ولكنه أخفق بعد ذلك، بينما يسير في طريق الانتصار في تونس.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى