سياسة وتاريخ

السيوف تقتل الأجساد والحقيقة أيضًا.. ماذا علمنا التاريخ؟

على مرّ الزمان نتعلم من دروس التاريخ فمثّلما لكلُّ نصرٍ أو عيدِ استقلالِ شعبٍ مَا، توجد ذكرى نكبةٍ وانتكاسة لِشعب آخرَ. فَدولٌ تأتي ودولٌ تزول، وقويٌّ يحلُّ وضعيفٌ يرُوح.

ولا يَخفى عن دارسٍ للتّاريخ ومتمعِّنٍ في دروسِه أنَّ موازين القُوَى لا تعترف بالأحقّيّة ولا تُدين الظّلمَ، وأنَّ الانتصار قد يكون مَردُّه حُسْن توظيفِ الظّرفِ القائمِ والاستغلالُ الناجعُ للَحظةٍ فارقةٍ في المكان والزّمان.

هل تُسحق الحقيقة تحت سيف المنتصرين؟

مثلما أنّ سقوط النازيّة والفاشيّة كان بدايةً للديمقراطيّة والتعدُّديّة، وكما مثَّل فَتحُ الأندلس مجدًا للمسلِمين ضاهَى لاحقًا إثرَ سقوطها كلّ أمجاد الكنيسة والعالم المسيحي، لا تكُفّ الأحداث كلّ يوم عن تقديم المزيد من المفارقات لأنّ تداول السَّطوة وتحقيقَ الانتصارِ والانكسارِ حتميّاتٌ تاريخيّة.

إنّ النِسبيّة والديناميكية مِيزتان تجعلان من التّاريخ مادّةً صعبةَ التّحيِيد، بلْ ويكاد يخبُو نور الحقيقةِ بيْن طيّاتها.
ولعلّ أشهر الأقوال الداعمة لهذه الفكرةِ العبارةُ القائلةُ:

التّاريخُ يكتبه المنتصرُ.

فهذه المقولة التي تبدو للوهلة الأولى حُجّةً دامغةً للبعض، قد لا تكون سوى شَرْعَنةً لتزوير التّاريخ وإذاعنًا باستسلام الحقيقة تحت سيوف المنتصِر.

إنّ المهزُوم يكتب التّاريخ أيضًا، ولكنْ قد لا تطال حروفُه أعيننا وآذاننا المنبهِرة بما قُدِّمَ لنا من خبزٍ جاهزٍ على مائدة المؤرّخِين.
لذلك يستوجبُ الإنصاف وتتطلّب الموضوعيّةُ سَبْرًا لأغوارِ الكتبِ والمصادر المختلفةِ مشاربُها، فحتّى الأكاذيب التي تُدَسُّ بين السّطور قد تكون خيطًا يُرشِد الباحثَ نحو الحقيقةِ المُراد طمسُها.

ليس من العقلانيّة ولا المصداقيّة أن نُركّز نقطة الوصول قبل انطلاق رحلة البحث، ففي بحر التّاريخ على الرُّبّان النّزيه تقَبّلُ مجرى الرّيح، إذ لا فائدة تُرجى إن لم يتَلقّف غير ما يُرضِي وجهتَهُ.

لماذا ندرس التّاريخ؟

قد يقول قائلٌ أنّ في الدّعوةِ إلى الحياديّة المطلَقة براءةٌ لكلّ من أجرَمَ وغَضُّ طرف عن الجُناة، بَيْد أنَّ الجواب على هذا الزّعم لا يكون قبل تحديد هدفنا من دراسة التّاريخ والبحثِ في مسألة ما.

هل نسعى لمُساءلةٍ تاريخيّةٍ تُقسّم العالم إلى أخيار وأشرار، أم أنّنا نقف على أعتاب ماضينا القريب والبعيد لاستخلاص العِبر منه والبناء عليه؟

إنّ التّاريخ أبعد ما يكون عن جلسةِ محاكمةٍ لأبطاله ورموزه، بل هو جلسةُ استماعٍ مفتوحة يستوي فيه الغازي بمن طُرِدَ والشهيدُ بمن قَتَل.

ولكن الأجدى لنا أن نحدّد إذا كان قرار اتخذه أحد الزعماء سليمًا أم خاطئًا بدل أن نبدد تركيزنا في الحكم على هذا الزعيم إذا كان مصلحًا أم مجرمًا.

يمكننا أن نتفق بسهولة على أن أدولف هتلر مجرم نازي شوفيني متعصّب، من غير المضني إسناد أشدّ الصفات جَلدًا لشخصه، ولكن كم سيختلف الأمر حول الاتفاق على ضرورة عدم انتهاج نفس النهج الذي اختاره هتلر، كم سيكون صعبًا على زعماء القوى العظمى الاتعاظ من مآسي الحروب وآثارها المدمرة ومخلفاتها الباقية جرحًا مفتوحًا في وجدان البشر. إنّ العالم اليوم يحتاج إلى نبذ جرائم الحاضر أكثر من التبرؤ من مجرمين رحلوا كما لو لم يكونوا يومًا أسياد الوجود.

لئن تبرّأ الإنسان المعاصر من الأشرار فإنّه نسي أو تناسى أن يتبرّأ من الشرّ.

قدّسنا الأخيار ونسينا أن نستجلب خيرهم

ها نحن ذا نشهد في السنين العشر الأخيرة تسابقًا حثيثًا نحو التسلح، إذ تم رفع قيمة الميزانيات الموجهة نحو المقتنيات العسكرية الدفاعية منها والهجومية.

ليس يخفى عن أحد أنّ دول العالم اليوم تجتهد في تشكيل الأحلاف وبناء التكتلات وتسارع في إبرام معاهدات الدفاع المشترك.

لا تكاد حرب ديبلوماسية تهدأ حتى تندلع أخرى، ولا تخفف العقوبات الاقتصادية على دولة إلا سلط المزيد على غيرها، وأصبحت الاتهامات المتبادلة خبرًا نراه كل يوم مثل أحوال الطقس، لكنه طقس متقلب غريب يضطرب ولا ينذر بخير.

وهنا تأتي أهمية دراسة التاريخ باعتباره منذرًا ومنبّهًا للبشرية جمعاء، فمقارنة بسيطة بين الظرفية التاريخية التي سبقت الحرب العالمية الأولى وما يشهده العالم اليوم مما ذكرنا يحيلنا على مستوى الخطر الحقيقي الذي بلغناه، فنفس العوامل تؤدي إلى نفس النتائج.

إنّ الخطأ الجسيم الذي اقترفه إنسان القرن الحادي والعشرين ليس مقتصرًا على عدم الاستفادة من أخطاء الماضي فحسب، ولكنه يشمل أيضًا هوس التغني بأمجاد الماضي في محاولة يائسة لتجميل وجه حاضره القبيح.

فعندما تعجز أمة ما عن بناء الحضارة ولا ترى من قطار التقدم سوى دخان ينبعث من بعيد، يصبح امتلاك ورقات التاريخ الوردية المخدر المفضل للتغاضي عن التخلف المزري.

وبنفس المنطق الذي اعتمدناه للتأكيد على أن الإنسان تبرأ من الأشرار ولم يتبرأ من الشر، فإننا نعتمده لتبيان حقيقة مردها أنه قدّس الأخيار ونسي أن يستجلب لزمانه شيئا من خير زمانهم. فالوقوف على الأطلال والإصرار على هذه العادة إجرام في حق الحاضر ونكران لما يقدمه التاريخ لنا من دروس.

جميل هو ذلك الماضي، يحيي فينا الحنين وينعش في أرواحنا كثيرًا من الأمل. ولكن الأمل بغير عمل ضرب من الانتحار الحضاري، فعجلة التقدم تدور ومن يأبى مواكبتها سيجد نفسه تحتها مهما ظنّ أنّ ما قدمه أسلافه سيشفع له اليوم.

دروس التاريخ: اعتراف تليه حيرة

إنّ أوّلى دروس التاريخ تتمثل في كون الإنسان لا يتعلم من التاريخ أبدًا. وأنّ أصوات الساعين نحو دراسته تضمحل أمام صراخ المعرضين.

فهل تكون المطامع الدولية والأنانية الفردية قدرًا يتحكم في مصائرنا ولا يسعنا سوى الإذعان ؟
ألا يبدو أن المنتصر القادم، أيا كان انتماؤه وخلفيته، لن يقدم من التاريخ سوى ما يخدم مصالحه ؟
أليس في هذا دعوة للجميع بإعادة التمحيص في ما قدمه لنا الأسلاف والأوائل، وسببًا كافيًا لوضع كل شيء تحت مجهر المساءلة عسانا نخفف عن كتب التاريخ بعض عبء حملته طويلًا وخطّه المنتصرون بدماء ضحاياهم ؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

بسام ساحلي

كاتب تونسي مستقل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق