مدونات

سياسة بطعم الـ “تيتان أروم”

تيتان أروم Titan Arum، هي زهرة كبيرة الحجم، تتجاوز الإنسان طولًا، جميل منظرها، بديع رونقها، تصدر كل أربع أو خمس سنوات رائحة كريهة كرائحة الجثث، نعم كرائحة الجثث من حيث قوة النتانة، وهذا كله تحفيزًا لبعض الحشرات كالذباب والخنافس؛ لتأتي إليها فتستفيد النبتة من عملية نقل اللقاح المتعارف عليه أحيائيًا ضماناً لاستمراريتها، والذباب والخنافس كما هو معلوم تستهويها تلك الرائحة، وتجدها مكاناً خصبًا لوضع بيضها، وضمان مستقبل زاهر لنسلها المستقبلي.

حري بعد هذا الوصف الوجيز لهذه الزهرة، أن نشبه سياسة بعض الدول بها، فدول العالم النامي بشكلها الديمقراطي الجميل على الأوراق، البهي سماعه في الأبواق، الجاذب للناس كالأسواق، المحطم في الواقع لكل الآمال والأحلام والأذواق، هذا النظام الديمقراطي النامي المنغولي، منغولي لأنه يأبي النضج والنمو منذ ولد، فهو في القامة ذاتها، في الرؤية المتذبذبة نفسها، هذا النظام فعلا تعبر عنه  هذه الزهرة من خلال شكلها ورونقها، ومن بعد رائحتها.

هذا الإطار السياسي الديمقراطي لدول العالم النامي الذي يسوق نفسه إعلامياً بشكل جذاب، خلاق، وأخاذ، هو في حقيقته وعند كل من يملك ذوقًا وشمًا لا تصدر عنه إلا روائح كريهة بنكهة رائحة الجثث، ولا ينجر وراء تلك الرائحة إلا الذباب والخنافس من الناس، من تستهويهم فضلات السياسة ورائحتها العفنة، فتراهم يتزاحمون في موسم الانتخابات، على غرار الرائحة التي تصدرها هذه الزهرة كل أربع أو خمس سنوات، يتزاحمون، يتنافسون على وضع بيضهم، لدى زهرة الدولة النامية ورونقها الأخاذ، تستفيد تلك الدولة من هذا التزاحم الانتخابي، فتضمن استمراريتها، ويستفيد السياسي ونسله من جملة اكراميات ورشاوٍ وفسادٍ تحت الدف.

هكذا تتناغم نتانة السياسة مع رائحة الجثث، وتتراقص عليها، ولو بحثت عن كنه تلك الجثث وهوياتها، لوجدتها جثث محرومين ماتوا بردًا من صقيع الجبال، أو ماتوا حربًا في معارك لم يعرفوا لم خاضوها، أو ماتوا قهرًا بين جدران الزنازين، أو ماتوا كمدًا بين فاتورة كهرباء وماء وزيت وطحين.

ستصدر السلطة روائحها كل انتخابات، ولك أمامها خيارات:

– خيار أن تكون نحلة، فتفر بعسلك بعيداً عن نتانة الجو، وإن أعداءك إذا تمكنوا منك لسعتهم فمت، أنت ها هنا مقامر، مغامر، ستعيش غربة في وطنك، قبل أن تُبعد قسرًا، أو عن اختيار وفرار من جو يزكم الأنفاس.

– خيار أن تكون خنفسًا أو ذبابة، فتهيم عشقاً في رائحة الجثث، وتطبل وتزمر وترقص على جثث مكنتك من الوصول لتبيض في حضن السياسة، أنت هنا تحت الأضواء، طنينك سماع، حضورك كريه كالذباب، لكنه ضروري لاستمرار السياسة النامية، الدولة النامية التي أخبرني جدي أنها ولدت معه، شب جدي وشاخ ومات، وأكاد أشيخ من ورائه، وتلك الدول لا تزال تنمو، في القامة ذاتها بين الأمم، لا تزال تُحمل رضيعة بين أيدي القوى الكبرى.

-خيار أخير، وهو أن تكون من بادئ البدء ضحية، مجرد جثة حية، لا لها حراك ولا قدرة على اللسع، تستقبل الراقصين على أبدانها، وتنظر إليهم في وجوم ودون أن تنبس ببنت شفة، وهذا حال أغلبنا، ننتظر الماضي ولا يأتِ، أما مستقبلنا فجدار من أسمنتٍ مسلحٍ يمنعنا رؤيته.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق