ثقافة وفنون

السياحة إلى الأحياء الفقيرة..

تعتبر السياحة إلى الأحياء الفقيرة شكلًا من أشكال السياحة غير العادية، ولكن في السنوات الأخيرة ازداد عدد السياح إلى هذه المناطق، خاصة في جنوب إفريقيا والبرازيل والهند وكينيا وإندونيسيا،  ولوحظ زيادة أيضًا في مدن أخرى حول العالم، فالسياحة إلى الأحياء الفقيرة هي فرصة توفر فوائد للمجتمع المتلقي طالما يتم ممارستها باحترام وتفهم وعقل منفتح، والغرض منها تزويد السياح بفرصة لرؤية المناطق “غير السياحية” في بلد ما أو مدينة ما.

ويتجه العديد من السياح إلى الوجهات المعتادة كزيارة المتاحف والمنتجعات الشاطئية والمطاعم، إلا  أن البعض منهم يبحث عن شيء مختلف عن المعتاد كزيارة الأحياء الفقيرة التي أصبحت مناطق جذب سياحي  يزورها عشرات وحتى مئات الآلاف من السواح الفضوليين كل عام.

وعلى الرغم من كون السياحة إلى الأحياء الفقيرة اكتسبت بعض الشهرة الدولية في السنوات الأخيرة، إلا أنها ليست مفهومًا جديدًا. ففي منتصف القرن التاسع عشر سافر سكان لندن الأثرياء إلى المناطق البائسة في مدينتهم من أجل مراقبة الحياة هناك، وفي الثمانينيات نظم السكان السود في جنوب إفريقيا زيارات قروية لتعليم البيض في الحكومات المحلية حول كيفية عيش السكان السود،  وجذبت هذه الرحلات السياح الدوليين الذين أرادوا معرفة المزيد عن الفصل العنصري، وفي منتصف التسعينات بدأ تنظيم الجولات الدولية إلى وجهات في المناطق الأكثر حرمانًا في الدول النامية والمعروفة غالبًا باسم الأحياء الفقيرة. وفي الآونة الأخيرة بدأ مفهوم سياحة الأحياء الفقيرة في جذب اهتمام وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية، ففي ديسمبر 2010  عقد أول مؤتمر دولي حول سياحة الأحياء الفقيرة في بريستول حيث تم إنشاء شبكة اجتماعية للأشخاص العاملين في أو مع سياحة الأحياء الفقيرة.

وتزامنا مع ظهور تقنية التصوير الفوتوغرافي أدى ذلك إلى خلق المزيد من الرغبة لدى بعض الناس لتتبع مصدر هذه الصور، فصور الأحياء الفقيرة أثارت الرغبة لدى العديد من السياح للذهاب ورؤية المكان بأنفسهم بدلاً من تعليق هذه الصور في المنزل ، ووفقًا لشركات السياحة  فإن تأثير فيلم المليونير Slumdog Millionaire  على جذب الزوار إلى حي دارافي العشوائي في مومباي كان ضخمًا،  على الرغم من أن الجولات كانت موجودة قبل الفيلم بوقت طويل، إلا أن الفيلم زاد من شعبيته وأصبح نقطة مرجعية لما يتوقع الناس رؤيته هناك.

سبب اتشار السياحة إلى الأحياء الفقيرة

يرى الكثيرون أن الفضول حول زيارة الأحياء الفقيرة يقوض الأخلاق، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن السياحة مرتبطة بالمرح والترفيه، ويعتبر منتقدوه أن الذهاب إلى مراقبة ظروف الفقر التي يعيش فيها كثير من الناس هو شكل من أشكال التلصص، وقد تكون سياحة الأحياء الفقيرة غير آمنة  فعند اختيار جولة في الأحياء الفقيرة، يجب على الضيوف استخدام العناية الواجبة لتحديد ما إذا كانت الجولة مرخصة، ولها سمعة جيدة في مواقع المراجعة، واتباع الإرشادات المحلية. ونظرًا لعدم وجود أي معيار حتى الآن لشركات سياحة الأحياء الفقيرة، يجب على السياح تحديد ما إذا كانت شركة سياحة معينة تتصرف بشكل أخلاقي ومسؤول.

ولطالما كانت الاهتمامات الأخلاقية وأسباب وجودها سائدة في التأملات في سياحة الأحياء الفقيرة، ولكن ما هي الدوافع والتوقعات منها، وهل يتعين على الناس زيارة الأحياء الفقيرة؟  وبالمثل، يتم بحث الأسئلة المتعلقة بالفوائد المحتملة والجوانب الضارة إلى أي مدى توفر السياحة في الأحياء الفقيرة دخلًا ورؤية إيجابية للناس؟ ومن هم أصحاب المصلحة الذين يشاركون في سياحة الأحياء الفقيرة ومن هم الأكثر ربحًا؟ و كيف يتم تنظيم أو تكوين الجولات المصحوبة بمرشدين؟ وما هي النطاقات الجغرافية لسياحة الأحياء الفقيرة وأي مكان تشغله في نظام التنقل الجديد؟  وأين تتناسب السياحة إلى الأحياء الفقيرة في عالم معولم للاستهلاك السياحي؟

فسياحة الأحياء الفقيرة لها مزايا وعيوب، ومن أجل المزايا: خلق فرص عمل واكتشاف العقول الشابة المبتكرة، وكذلك تنبيه االمهتمين بالظروف المعيشية السيئة التي يعيش فيها سكان الأحياء الفقيرة، وقد استفاد السكان المحليون في الأحياء الفقيرة من هذه البرامج، حيث يعملون كمترجمين ومرشدين سياحيين وناقلين، ونتيجة لذلك يستفيد أقارب وأزواج وعائلات الموظفين الذين يشاركون في جولات الأحياء الفقيرة كثيرًا من الناحية المالية مما ساهم في تحسين ظروفهم المعيشية.

وسياحة الأحياء الفقيرة كان لها دورًا بارزًا في اكتشاف الشباب الموهوبين، الذين ساهموا في النمو الاقتصادي لهذه الأحياء، فعلى سبيل المثال إذا ألقينا نظرة على الأحياء الفقيرة في نيروبي فسوف نلاحظ أن العديد من مشاهير الرياضة قد تم إنقاذهم من فكي الفقر من قبل السياح الدوليين ومن الرياضيين الناجحين مثل Conjestina Acheing الذي يعتبر من المحظوظين الذين نجحوا في تحقيق أهدافهم من خلال رعاية السياح الأجانب.

والميزة الأخيرة من مزايا السياحة إلى الأحياء الفقيرة هي أنها نبهت العالم للظروف المعيشية السيئة التي يعاني منها سكان الأحياء الفقيرة.، وأدى هذا النوع من الزيارات للأحياء الفقيرة إلى إعادة إذكاء الوعي بشأن الفقر.

وعلى الرغم من أن سياحة الأحياء الفقيرة قد عززت السياحة ووظفت بعض الفئات من الناس، فإن هذه السياحة لها  العديد من السلبيات:

إعطاء صورة سلبية عن البلاد  للزوار والسياح الأجانب، وتحقيق أرباح على حساب تعاسة ومأساة الفقراء والبؤس والشقاء الذي يخيم على حياتهم، إضافة إلى قصورها عن  تقديم بعض المبادرات والبرامج المجزية اقتصاديًا للفقراء في هذه الأحياء  وإن كانت من باب الترويج السياحي.

وأيضًا عندما يأتي السياح لزيارة الأحياء الفقيرة، فإنهم يهينون الأنا وثقافة السكان المحليين، مما يجعل هؤلاء السكان يشعرون وكأنهم لا يستطيعون الاعتناء بأنفسهم.

ومن الممكن أن نجعل هذا النوع من السياحة أكثر تنظيمًا وفائدة من حيث قيام سواح متطوعين أو منظمات غير حكومية في مهن  مثل النجارة والهندسة الكهربائية والأعمال المعدنية والسباكة وحتى الفن والتصميم بعمل برامج تدريبية مجانية  للسكان المحليين لهذه الأحياء تمكنهم من رعاية أسرهم وأنفسهم،  بدلاً من القيام بزيارات ترضي العيون فقط.

فقطاع السياحة قطاع  يمتاز عن القطاعات الإنتاجية الأخرى بقدرتة الكبيرة على التكيف باستمرار مع التغيير والظروف الجديدة والمتنوعة، فالسياحة لم تعد نشاطًا فاخرًا فقط بل تعدت ذلك لتصبح ظاهرة اجتماعية، فهي في جوهرها مجموعة من الخبرات والعواطف المشتركة، لذلك بغض النظر عن الشكل الذي تتخذه فإن الشيء المهم هو أن السياحة يمكن أن تكون تجربة تعليمية لكل من المضيف والضيف.

اقرأ أيضًا :

قصة أرض الأندلس

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق