سياسة وتاريخ

السوريون: “الموريسكيون الجدد” على أعتاب الحدود المسيحية

فرغت للتو من قراءة رواية الموريسكي المتميزة للكاتب المغربي ذو الأمازيغية حسن أوريد، والتي حملت بين طياتها تأملات الأنا والآخر، الهوية والنفي، الغربة والضياع، الترحيل القصري عن الأوطان ورحلة البحث عن هوية جديدة وتاريخ مفقود في وطن آخر.

وفي ظل الأزمة الحالية التي عصفت وتعصف بحضارة عربية عريقة ضاربة أطنابها في التاريخ، تطل أطلال الأندلس ونحيب المورسكيين ويلاحقان الكاتب كظله، وكأنه يريد أن يذكرنا بماضينا ليبعث فينا حاضرًا جديداً بروح متجددة، أو أنه يفتح أعيننا على واقع نعيشه اليوم وعاشه أسلافنا بعد سقوط الأندلس، وبداية مرحلة جديدة لسقوط الأمة العربية الإسلامية وانحطاطها، بعد طول قوة ومجد بلغ مبلغه أطراف أوروبا وتخوم آسيا وباقي أفريقيا.

وكانت الحضارة العربية حضارة مجد تليد بنت الإنسان والعمران، وخلفت في التاريخ كتبًا لم يشهد مثلها في العصور قط، في كل المجالات ولعل الشاهد على هذه الحقائق ما بقي من الأندلس بعدما سقط وتم تهجير ما بقي منها من الموريسكيين.

السوريون على الحدود اليونانية التركية
السوريون على الحدود اليونانية التركية٠

رواية الموريسكي التي كتبت أثناء الربيع العربي الذي أطاح بأنظمة عربية عديدة، ترسم خريطة جديدة لهذا العالم الذي أضحى أطلالاً، دمرته الحروب والصراعات المذهبية والعقائدية، واستنزفتها الدول الغربية الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، بالإضافة إلى بعض الدول الخليجية والإسلامية، حتى أضحى الإنسان العربي أشبه ما يكون بالموريسكي الأندلسي.

وهنا يفتح لنا الكاتب حسن أوريد نافذة جديدة على تاريخ الماضي، ويعرفنا بما حصل لما تبقى من المسلمين بالأندلس بعد السقوط المريع، هذه النافذة تصلح لأن نطل بها على الحروب التي يشهدها عالمنا الإسلامي العربي، ونتأمل أسطوانة التاريخ التي تعيد نفسها، وإن كانت بعض الاختلافات بين الصورتين الحالية والسابقة، لكن التأمل يحملنا لنكتشف أنه موضوع واحد.

فالبحث عن الهوية والغربة في الوطن، التهجير والقتل، الضياع وفقدان الحضارة والأرض، كلها أشياء نراها اليوم على الأراضي السورية والفلسطينية والعراقية، ليبيا واليمن، هذه صورة أشبه أو أنها نسخة مكررة لما حدث مع الموريسكيين سواء في وطنهم بالأندلس، أو بعدما هاجروا إلى بلدان الضفة الأخرى الإسلامية، وأعني هنا دول المغرب الأقصى والمعروفة بإسم دول شمال أفريقيا أو المغرب العربي الكبير.

هذه الدول لم تكن رحيمة بهم وإن احتوتهم على أرضها، فهم ظلوا أجانبًا منفيون، كما يحدث للسوريين والعراقيين والفلسطينين على أراضي تركيا ودول عربية وإسلامية، حيث أصبحوا تجارة مربحة، ووسيلة لتحقيق غايات وأهداف سياسية واقتصادية، فلم يشفع لهم الدين الإسلامي الذي يتقاسمونه مع تركيا وإيران ودول أخرى بإحتضانهم وتوفير مستلزمات الحياة لهم.

لقد تاجرت بهم تركيا الدولة الإسلامية، وقتلتهم إيران الإسلامية، ودفعت الخليج أموالا شردتهم، ولم يتفاوضوا لإيجاد مخرج سريع للأزمة السورية بقدر تفاوضهم على اقتسام كعكة الغاز الطبيعي السوري.

إن البحث في تاريخ الفردوس المفقود يقودنا دون أن نشعر إلى التعريف بالموريسكيين الذين نتحدث عنهم، وتحدث عنهم الكاتب المغربي حسن أوريد في روايته التي كانت منطلقاً للمقارنة ما بين موريسكيو الأندلس وموريسكيو العالم العربي الجدد، حيث يذكر الكاتب في روايته أن الموريسكيين هم المسلمون الذين اعتنقوا الدين المسيحي، طوعاً أو كرهاً بعد سقوط الأندلس على يد الممالك المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية، إسبانيا والبرتغال حاليًا، لتبدأ مرحلة جديدة لهؤلاء الفارين من بطش وجبروت جحيم الصليبين.

الأمر نفسه يعيشه السوريون يوميًا في بلدهم وعلى الأراضي التركية وفي بدان أخرى، مأساة محاكم التفتيش التعسفي التي تعرض لها أهل الأندلس هي نفسها التي يتعرض لها السوريون على الحدود اليونانية التركية، وكأن أرض الأتراك ضاقت بما رحبت على الإنسان السوري فقط، دون غيرهم من قواعد الناتو.

السوريون:”الموريسكيون الجدد” على أعتاب الحدود المسيحية!!
تفتيش السوريين على الحدود

الرواية شكلت باباً مفتوحاً راقبنا من خلاله حياة الموريسكيين، ومدى تمسكهم رغم كل الظروف الصعبة بالدين الإسلامي والثقافة العربية، إلى حينما تم نفيهم النهائي بأمر ملكي من الأراضي الإسبانية في بداية القرن السابع عشر الميلادي.

الإنسان السوري أو الفلسطيني وكل الأجناس العربية مهما اختلفت في العرق والدين والهوية، تظل متمسكة بأرضها وثقافتها وهويتها، ومع كل انفراجة في الأوضاع تعود أعداد كبيرة من المواطنين السوريين إلى أرضهم، يناشدون الحلم المفقود والأمل الذي ضاع مع كل مؤتمر سواء بجونيف أو أسطانا، حالمين بغد أفضل.

لقد أفلت كل الوعود لإعادة بناء سلام جديد وسوريا جديدة، واختفى إلى الأبد كما أختفى وزال الأندلس، فلم نعد نرقب الإنسان السوري كما الموريسكي إلا في كتب التاريخ وأخبار القنوات الفضائية، وهم حفاة عراة تحت رحمة الإغريق وعلى أعتاب بلاد المسيحيين، لعلها تكون أرحم بهم من بلدان إسلامية ترفع شعارات رنانة دون تطبيقها على أرض الواقع.

السوريون:”الموريسكيون الجدد” على أعتاب الحدود المسيحية!!
علامات تعذيب

لقد ظل الموريسكيون ينظرون إلى الدولة السعدية والمنصور الذهبي من أجل أن يعيدهم إلى وطنهم الأندلس ويخلصهم من صفة الموريسكيين التي لازمتهم قدحاً، فتعاد لهم الأرض والهوية، ويبدأ تاريخ جديد هناك بعز سلطان وفخر راية الإسلام، لكن السلطان السعدي كان يوهمهم بفتح مبين وفي المقابل يتحالف مع الإسبان وغيرهم، فتظل الأحلام والأماني فقط في أذهان الموريسكيين.

وما أشبه اليوم بالبارحة، ما أشبه السوريون بالمورسكيون، ما عاشه شهاب الدين بعد وصوله إلى المغرب يعيشه ألف سوري وألف فلسطيني وألف عربي كل يوم على حدود الدول الأوروبية، لقد هجر الإنسان الفلسطيني كما السوري والعراقي من بلده، وتم نفي وجوده وكينونته، كما هجر الموريسكي من قبل من أرضه وحضارته، هذا الإنسان الأندلسي كما العربي ظل يبحث عن أناه ووجوده في أوطان غير وطنه، ذهب هنا وهناك ظنا منه أن هناك من سيساعده من أبناء دينه، ولكن لم يكن يدري أن أبناء دينه يتناحرون فيما بينهم، ولا تهمهم مصلحته، خاب ظنه كما خاب ظن العديد من المسلمين اليوم، ضاع القدس كما ضاعت الأندلس ولم نفهم الدرس.

السوريون:”الموريسكيون الجدد” على أعتاب الحدود المسيحية!!

خلاصة القول إن ما نعيشه اليوم ويعيشه المجتمع العربي أشبه ما يكون بالموريسكي بطل الرواية، مع تغيير بسيط في الهويات والأسباب التي عصفت بأحلام الأندلسيين من فردوسهم، والأطماع التي شردت وقتلت الآلاف من العرب والمسلمين.

سوف نستبدل بعض المعطيات التاريخية التي حملتها أحداث الرواية ونكيفها مع الوضع الراهن، سوف نستبدل بلاد المورو المغربية ببلاد الشام والشرق الأوسط، ونقف أمام حقيقة المعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعب العربي من مشرقه إلى مغربه، يتقاتل أهل الحكم للوصول للسلطة، كما تقاتل ملوك الطوائف وقسموا الأندلس إلى دويلات، وهان أمر القضاء عليهم من قبل المسيحيين بعدما كانوا قوة قاهرة، لم يعد يهمهم أحد من الرعية بقدر ما تهمهم السلطة والكراسي، ولا شيء آخر غيرها.

مات الناس من الخوف والجوع، في الأندلس كما في الوقت الحالي بعديد الدول العربية الإسلامية، الآن يتقاتلون ويقتلون الأبرياء فقط من أجل السلطة والأطماع الاقتصادية والتوسعية، ولم ينسَ هؤلاء أن يستغلوا معاناة الفلسطينيين كي يحققوا المكاسب السياسية، دون النظر لمأساة شعب وقضية أمة كانت إلى وقت قريب رمز الحضارة والقيادة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق