مدونات

السمع والبصر: ماض يسمع وحاضر يرى

كان يكفي حتى وقت قريب أن يقول لك فلان شيئاً ما، فتسمع منه فتصدقه فورًا، اليوم لم تعد لنا قابلية التصديق بالسمع، لأن ناقل الخبر أصبح في موقع الشبهة، اليوم صرنا لا نصدق الخبر إلا برؤية العين، وهذا تحول قد نراه عاديًا؛ لأنه ينسجم مع المدنية المتعارضة مع السذاجة البدوية، لكنه في أمور الدين يصبح خطيرًا ووجب الحذر من تعميم مبدأ البصر في تعاملنا مع ديننا الحنيف.

الله العلي القدير كان دائمًا يسبق السمع على البصر في القرآن الكريم؛ لضرورته في نقل العقيدة والإيمان بالله جيلاً بعد جيل، فالسمع هو أساس التواثر، يقول الله سبحانه وتعالى: “إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” [الإسراء:36]، فحاسة السمع دائماً تقدم على حاسة البصر في كتاب الله، فالسمع كان هو الوسيلة المثلى في نقل العلوم الدينية من روادها الأوائل منذ القرن الواحد الهجري إلى حدود الساعة، فهذه الآلية امتدت أكثر من 1400 سنة، وكان لها الفضل في وصول الدين قرآنًا وسنة وفتاوًا واجتهادًا لنا سليمًا لا تشوبه شائبة، إلا من جادل وأنكر عن هوى أو تكبر.

ونحن هنا نخص العلم الديني المتواثر بين العلماء جيلاً عن جيل، ونستثني طبعًا العقائد الفاسدة التي تدعي الحق، وكذلك لا نقصد التاريخ ولا الفكر الإسلامي السياسي ولا الاجتماعي، الذي قد تشوبه شوائب، باختلاف الأحداث السياسية التي راكمها المسلمون في حضارتهم.

اليوم تكمن الخطورة في تحولنا من ذوات سامعة إلى ذوات بصرية حتى في ديننا، وهذا تحول خطير، ذلك لأن بعض العلماء سامحهم الله زالت هيبتهم وخالطوا السلطان وأصبح السماع عنهم فيه نظر، علماء تورطوا في أمور بينة، علماء ساهموا في تفرقة الأمة عبر مناصرة الشيع والفرق، علماء اهتموا بالكسب المادي وتناسوا مصداقيتهم، وان إغداق السلطة عليهم المال، يعني الركون لتلك السلطة واتباع وصاياها، علماء ما اهتموا بقضايا الشباب الذي هو ذخيرة الأمة، فجعلوه وحيدا ينهل من الغرب حلوله، علماء حصروا أنفسهم في قضايا النكاح والطهارة والحيض والنفاس، ونسوا النصح للحكام وقول الحق في وجوه الجائرين.

أمام وضع العلماء هذا، وأمام تغول التكنولوجيا الرقمية، أصبحت الذوات بصرية أكثر منها سمعية، فالبصر يرتبط بالدماغ الذي يحاجج ويجادل، والسمع يرتبط بالفؤاد الذي يؤمن ويسلم، فالبصر أساس العلوم الدقيقة والتجريبية، والسماع هو أساس العلم الديني المتواثر، واختلال هذا المفهوم وتعميم البصر حتى على العلم الديني المتواثر الصحيح، سيؤدي يوما ما إلى بروز جيل سيقول ما قالته بنو إسرائيل لموسى منذ أمد، في قوله تعالى: “وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ” (55) البقرة.

إن المرحلة البصرية التي أقحمنا فيها مرحلة خطيرة، هي مرحلة تكاد تسلب حتى العقول اللبيبة، لسنا ضد التطور بل نحن مع توازن الأعضاء الحسية بين بعضها البعض، التوازن أساس الحياة، فكل شيء خلقه الله بقدر، في دينك أمور يجب تقبلها بالسمع والتسليم، وهي تلك الأمور الثابتة أو الغيبية التي لم نحط بها علماً، وهناك أمور تركها الله -عز وجل- لتقلبها بين سمعك وعينيك، فاجتهد فيها ولا تتبع الهوى، وهناك أمور وعلوم ارتبطت بدنياك، فاعمل فيها بصرك حيث شئت، واترك لعقلك العنان ليفكر ليحلل وليستنبط الحلول ما شاء.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق