سياسة وتاريخ

السلوك البشري وآليات التحكم فيه واستغلاله سياسيا

يعتبر السلوك البشري المشكل الرئيسي لشخصية الفرد، فما إن يتصرف الإنسان بضع تصرفات حتى نتمكن من تحديد شخصيته، وسبر أغوار نفسه، والتعرف على دوافعه بل ومعرفة لماذا سلك هذا السلوك بالذات في ذلك الموقف دون غيره .
وقد تم التقدم في هذا المجال بفضل كثير من نظريات علم النفس التحليلي والتجريبي على حدٍّ سواء والتي أثبتت صحتها بشكل كبير.

ورغم ما في الأمر من جانب إيجابي يمكننا من خلاله تعديل سلوكيات الأطفال مثلاً الذين يسلكون سلوكيات غير مرغوبة، والمرضى النفسيين في حالات معينة، إلا أن الأمر لا يخلو من مخاطرة كبيرة، فإذا استطعنا بالفعل التحكم بسلوكيات البشر وقولبتها بعد امتلاكنا وسائل ذلك، فإن هذا سيعنى صناعة مجموعة من المسوخ البشرية التي تحقق رغبات صانعيها، وإن لم يكن على المستوى المطلوب نظراً لأمرين :

أولها : إن السلوك البشري رغم كل شيء يصعب التنبؤ به تماماً .

ثانيهما: إن حرية الإرادة التي حباها الله للبشر لها الحكم الفصل في نهاية المطاف .

ولكن هناك مفارقة أخرى تتمثل في الرد على تلكما المعضلتين مفادها التالي:

أولاً: الإرادة ذاتها تُبنى على الفكر بمعنى أن؛ المجنون له إرادة عشوائية غير متوقعة ولا متزنة نظراً لفقدانه ميزان الحكم الصحيح على الأمور، بينما العاقل الذي يتمتع بإرادة كاملة تتحرك إرادته تلك وفق من  مجموعة من المعاني التي تؤطر حياته والتي اكتسبها بشكل أو بآخر من بيئته، مجتمعه، أسرته، مدرسته….إلخ، فهل إذا تم التحكم في تلك المحددات التي تشكل الأفكار فحينها نستطيع التحكم في توجيه تلك الإرادة حسبما نريد؟؟

ثانياً: السلوك البشري يصعب التنبؤ به في الحالة الطبيعية للبشر، بمعنى في حالة ترك الإنسان يشكل حياته ويصوغ مبادئه كما يريد فمن ثم لا نستطيع أن نتنبأ حقاً أي الجوانب سيختار في المواقف التي تمر به, ولكن بما أن الفكر يسبق الإرادة، والإرادة تسبق الفعل ، فإذا تحكمنا في الفكر الذي يشكل عقل الإنسان بكيفية ما هل سنستطيع حينها التنبؤ تماماً وبنسبة كبيرة بما قد يسلكه هذا الفرد في حياته؟؟

وبناءًا على ذلك سعت الحكومات مطلع القرن التاسع عشر لإجراء تجارب مكثفة وصف بعضها بالغير أخلاقي كتجارب الطبيب النفسي الكندي البارز أيوين كاميرون  مطلع الخمسينات.

وبعضها الآخر  طبق بالفعل ولم  ينتبه له الكثيرين بسبب تَشّكل الوعي الجمعي والصورة الذهنية على مدار الأجيال على وعي معلب صاغته النظم السياسية قديمًا لتُحكم سيطرتها على الشعوب، ولتتقي غضبها وسخطها ومثال ذلك التعليم الإلزامي والذي يهدف في المقام الأول حسب علماء التربية أنفسهم إلى صوغ عقليات منمطة ومقولبة تخدم النظام السياسي، وتنتج مواطنًا صالحًا مدجنًا يخدم الهدف العام لواضعي السياسات ومصممي النظام: بينما يعتقد غالبية الناس إنه يهدف لتعليمهم وتثقيفهم وهو ما تعامل معه ألان دونو الفيلسوف الفرنسي بسخرية واصفًا خريجي نظم التعليم الحكومي “بالأميين الجدد”، وكذلك نظم التجنيد الإجباري التي لا تهدف في حقيقة الأمر إلى تشكيل مجندين للدفاع عن أرض الوطن ضد أعداء مفترضين بقدر ما تهدف لترويض بقية السكان وتدجينهم عبر حصر السلطة المسلحة في فئة قليلة تُحكم سيطرتها وتغولها على البقية الباقية من الشعب، وهنا تكمن المفارقة بأن تلك الفئة القليلة المسلحة هي ذاتها تم تدجينها من قبل وقولبتها في إطار لا تخرج عنه، فما بالنا بالبقية البقية المدنية التي يتم قولبتها عبر مئات الآليات حتى يتشكل في النهاية مواطن صالح مطيع؟!

وبناءًا عليه لا تعترينا الدهشة أبدًا عندما نعلم حجم المنافسة الآن على تقنيات الجيل الرابع للشبكات الخلوية 4G والسعي الحثيث من كافة القوي العظمي لمحاولة امتلاكها عبر الأثير‘ فضلاً عن الفضائح المتعددة لشركات مثل فيس بوك وغيرها ببيع بيانات العملاء لسياسيين أو غيرهم،  فببساطة هذه البيانات والمعلومات التي يتحصل عليها السياسيون ووكلائهم ليس هدفها الفوز في انتخابات رئاسية حمقاء كما يعتقد البعض، فالهدف أبعد من ذلك حتمًا: ببساطة هو السيطرة على تفكيرك ومن ثم توجيه قرارك وفي شتى المجالات، ولعلهم نجحوا في ذلك فعلًا!

تُرى هل نجحوا بالفعل؟!

إقرأ أيضا: نفق مظلم ينتظر العالم بعد أزمة كورونا

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق