سياسة وتاريخ

السلطة الفلسطينية: حتى ترضى إسرائيل

كان اتفاق أوسلو الذي زعم زوراً أنه أسس لسلام عادل وشامل بين المحتل والمحتل أغرب اتفاق سلام في تاريخ العالم بأسره، فلأول مرة تدخل القيادة السياسية لجماعة مقاومة أرض شعبها تحت ظلال بندقية المحتل، ليس ذلك وحسب، بل تقيم الأفراح وتطري على حصافة قيادتها السياسية، وتعد الشعب المقهور الذي يقبع عدد غير قليل من أبنائه في معتقلات المحتل، أن أيام الرخاء قادمة بعدما حلت أيام السلام.

لكن واقع الحال كان غير ذلك، فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ 1993 لم تنظر إلى السلطة الفلسطينية المنبثقة عن منظمة التحرير على أنها حكومة ممثلة للشعب، أو دولة تعاملها معاملة الند بالند، بل اعتبرتها مجرد سلطة حكم محلي ستتحمل بالنيابة عن إسرائيل المسئوليات المدنية لفلسطينيي الضفة وغزة، بينما تتفرغ إسرائيل لمهمتيها الساميتين؛ إنشاء المستوطنات وملاحقة المقاومين.

والحق يقال؛ نجحت إسرائيل في الاستفادة من سلطة رام الله إلى أبعد الحدود، خاصة فيما عرف بالتنسيق الأمني بين الشرطة الفلسطينية وقوات الاحتلال، والتي كفلت للصهاينة باعترافات قيادات منهم معرفة هوية مقاومين كانوا مجهولين بالنسبة إليها، وتحولت الشرطة الفلسطينية لقوات درك تحمي أمن المحتل الصهيوني.

وتماهت سلطة فتح مع المطالب الإسرائيلية في خنوع مهين لتاريخ الحركة النضالي السابق، فسره القائمون على السلطة كنوع من إبداء حسن النوايا لدفع عملية السلام قدماً، حتى وصل الأمر برئيس السلطة وقتها ياسر عرفات لحضور مؤتمر صناع السلام في شرم الشيخ عام 1996، والذي ناقش خلال أعماله مكافحة الإرهاب، في إشارة لهجمات عناصر حماس التابعة للمقاومة الفلسطينية التي أوقعت ما يربو على ثمانين قتيل صهيوني دون أن تظهر حمرة الخجل على وجه عرفات.

صمتت سلطة رام الله أيضاً عن إخلال الصهاينة بتعهداتهم في الانسحاب من المناطق المشمولة باتفاقية أوسلو، وأعادت التفاوض على ما سبق واتفق عليه على أن تضمن تل أبيب لمسئولي السلطة امتيازاتهم، وفي المقابل كافأ الصهاينة رجالهم المخلصين بمنحهم أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل، ليودعوها في حساباتهم الخاصة، كما فعل محمد رشيد مستشار عرفات، ومحمد دحلان عميل الموساد ورئيس الأمن الوقائي السابق في غزة.

ورطت الحكومة الصهيونية مسئولي السلطة في علاقات مخلة؛ حتى لا يتبجحوا أمامها أنهم حماة الحق الفلسطيني المسلوب كما فعلت مع ياسر عبد ربه، وصائي عريقات، اللذين ضاجعا تسيبي ليفني التي فضحت الأمر قبل سنوات خلت، وفي أواخر أيام عرفات، أسفرت سلطة رام الله عن عدائها للشعب الذي يفترض أنها تمثله وتدافع عن حقوقه.

وضع عرفات قيادات المقاومة الفلسطينية قيد الإقامة الجبرية، وجمد أرصدتها في المصارف في سبتمبر 2003، لكن الجماهير الغاضبة فكت الحصار عن قادتها الحقيقيين ضاربة بخيانة السلطة عرض الحائط، وفي يونيو 2004 صرح عرفات لهآرتس أن حكومته توافق على دولة قومية لليهود، بما يعني إسقاط حق العودة لفلسطينيي الشتات، وهو أمر ليس من حق عرفات ولا زمرته المستسلمة.

وحتى عندما حل محمود عباس محل عرفات، أكد أنه لا يريد إغراق إسرائيل باللاجئين أي أنه متنازل عن حق العودة، كما أكد غير مرة رفضه اندلاع انتفاضة جديدة، ووافق في السر على صفقة القرن التي أعلن بأعلى صوته في العلن رفضه لها، وأخيراً أكد جبريل الرجوب أن حائط البراق الذي أسماه المبكى كما الصهاينة، ستتركه السلطة لإسرائيل لقداسته عند اليهود.

لن ترضى إسرائيل عن سلطة رام الله ولا كل الأنظمة الخائنة المجاورة لها؛ فهدفها الأسمى إسرائيل الكبرى لا وجود لهم فيه، والتخلص منهم قادم لا محالة؛ فالخونة لا يثق بهم حتى من خانوا أوطانهم لينالوا رضاهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق