سياسة وتاريخ

السلطان محمد الشيخ: شوكة في حلق العثمانيين

كما سبق وأن تطرقنا إلى الأطماع العثمانية في الجزء الأول من الصراع القوي بين العثمانيين والمغاربة، في هذا الجزء نوجه البوصلة نحو أبرز الصراعات التي دارت بين قوتين حكما معا شمال إفريقيا.

دخول المملكة المغربية كان حلما لم تستطع الدولة العثمانية تحقيقه، وقوة السعديين هي التي أبقت المغاربة بعيدا عن الحكم العثماني الذي خضعت له معظم الدول العربية والإسلامية، فمنذ الحملات الواسعة المرعبة التي أطلقها العثمانيون لغزو العديد من الأراضي والتخوم، لم ينجحوا في الوصول إلى المغرب واقتصروا على دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، بالمقابل كان هناك تخوف كبير من دخول أرض السعديين.

الحملات العسكرية الشرسة والغطرسة العثمانية التي توغلت في كل الاتجاهات تحت قيادة قوات الانكشارية المرعبة، التي سخرها العثمانيون لسحق الجيوش الأخرى التي تقف مدافعة عن بلدانها، و التي لم تستطع إخضاع المغرب تحت السيطرة العثمانية، على الرغم من المشاكل الداخلية التي كانت تعرفها الدولة المغربية.
و لقد حول جيش الإنكشارية العثماني كل من العراق والحجاز والشام ومصر واليمن وطرابلس الغرب وإفريقية والمغرب الأوسط إلى أراضي خاضعة لها وولايات تابعة للسلطان العثماني في إسطنبول، إلى أن وصلت طلائع هذا الجيش تخوم المغرب وعجزت عن دخول المغرب الأقصى.
كان عرش المغرب إبان هذه الفترة تحت حكم السلطان محمد الشيخ المهدي، الذي كان رافضا جملة وتفصيلا هذا التواجد العثماني وإعتبره غزوا، عارض بشدة هذا التوسع العثماني في شمال إفريقيا ككل، وكان يعتزم الدخول في حروب طاحنة مع العثمانيين لولا توقف الجيش الانكشاري شرق المملكة، فقد عقد محمد الشيخ العزم على طرد التواجد التركي من المنطقة، حيث كان يقول:” لا بد لي أن أغزو مصر وأطرد الأتراك من أحجارها”.

رغبة سلطان المغرب محمد الشيخ لم تكن تقتصر على طرد التواجد العثماني في شمال إفريقيا فقط، بل إن الأطماع المغربية كانت تتجاوز ذلك من أجل السيطرة على جنوب أفريقيا وشرقها، فقد تمكن هذا السلطان من دخول مناطق عديدة بالجزائر وصولا إلى تلمسان، وضم العديد من الدول الإفريقية جنوبا.

إن الصراع المغربي العثماني حول المغرب الأقصى حول هذه الجغرافيا إلى ساحة صراع قوي بين الجيشين العثماني والمغربي، و تكشف ذلك من خلال دخول السعديين إلى تلمسان التي حاصرها محمد الشيخ لما يقارب 9 أشهر، وأصر على دخولها مهما كلفه الأمر، فبالرغم من فقدانه لابنه الحران، إلا أنه بقي صامدا حتى نيل المراد، حيث وصفه المؤرخ الناصري في كتاب الإستقصاء بقوله:”كان نابا من أنيابه وسيفا من سيوفه”.
إن نفوذ السلطان المغربي محمد الشيخ تقوى في الجزائر كثيرا، فبعد تلمسان وصل حتى وادي الشلف، إلا أن الصراعات الداخلية وهجمات الإيبيرين على السواحل المغربية، جعلت الأتراك  يسترجعون تلمسان وباقي المناطق الأخرى، فعاود السلطان المغربي محاصرتها للمرة الثانية، لكنه فشل في ذلك بعدما أصبحت المعركة العثمانية المغربية داخل المملكة المغربية.

و استغل الأتراك الصراعات القوية والمشاكل الداخلية التي كان يعرفها المغرب،  بل وحولوا هذه الحرب إلى داخل المغرب، محتلين بذلك أبرز المدن كفاس، لكن السلطان المغربي وقوة السعديين سرعان ما استعادوا هذه المدينة وأعادو الهيبة إلى المغاربة.

وأمام هذه الأوضاع حاول العثمانيون أن يخضعوا المملكة المغربية لهم بأساليب أخرى، السلطان العثماني أرسل رسالة إلى السلطان المغربي محمد الشيخ يدعوه من خلالها إلى التبعية والطاعة لأمور الخليفة العثماني، وذلك بوضع صورة سلطان العثمانيين (سليمان القانوني) على العملة المغربية وأن يخطب باسمه في المنابر أثناء صلاة الجمعة، الأمر الذي أغضب السلطان المغربي كثيرا، وصاح في وجه رسول سلطان العثمانيون مهددا بالزحف نحو المناطق العثمانية في الشمال الأفريقي حتى الشرق الأفريقي(مصر)، و جاء في رواية تاريخية حول الأطماع التركية وحلم دخول المغرب قوله:
“فلما وصل الرسول إلى تارودانت اجتمع بالسلطان ودفع له الكتاب ، ولما قرأه ووجد فيه طلب ذكره على المنابر وعلى السكة ، قام وقعد وأبرق وأرعد وأزعج الرسول “…ويضيف فلما طلب الجواب قال له:”لا أجيب سلطان القواريب إلا إذا كنت بمصر ومنها أكتب جوابه”،”سلم على أمير القوارب سلطانك وقل له أن سلطان المغرب لا بد أن ينازعك على محمل مصر ويكون قتاله معك عليه إن شاء الله ويأتيك إلى مصر والسلام”.
هذه المقولة (سلطان القواريب) أحدثت هلعا كبيرا وخوفا في نفوس العثمانيين، سلطان الأسطول، ويقصد بها السلطان محمد الشيخ أن الدولة العثمانية كانت دولة بحرية، بنت عقيدة غزوها لهذه الدول على سفنها، حيث أنها تملك أسطولا بحريا عملاقا، ويقال أن محمد الشيخ وصف سليمان القانوني بسلطان الحواتة، أي صيادي السمك.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.
زر الذهاب إلى الأعلى