ثقافة وفنون

السقوط المحتوم

إستشراف المستقبل

يعد الإلمام بعلم الإقتصاد ضرورة من ضرورات الحياه وليس ترفاً فكريا كما يعتقد البعض  وقديما قال الشاعر ( بالعلم والمال يبنى الناس مُلكهم …لم يبنى ملكِعلى جهل وإقلال).

وعليه حلل علماء الاجتماع أن ظاهرة إحتلال الدول وتغلبها على خصومها ,هدفهه الرئيسى  الأستحواذ على إقتصاديات الأمم المغلوبة، وعد ألبرت حورانى الأحتلال الاقتصادى السبيل الأوحد للأحتلال العسكرى، وتعتبر الشعوب النجاح الاقتصادى لنظام سياسى ما هو الفيصل لنجاح هذا النظام أو فشله.

كل  هذا يجعلنا نلقى الضوء على نظام اقتصادى أمتد طويلاً وعاصرناه نحن ومن سبقنا من أجيال عشنا نجاحاته وإخفاقاته، وأزماته لنبصر موضع أقدامنا ,ونحاول أن نستشرف مستقبلنا فى ظله، أو حتى بدونه!

فلا توجد مهمة أكثر إلحاحاً من التفكير فى المستقبل وصياغته بما يحقق أهداف الأمة الاقتصادية والسياسية والإجتماعية.

الرأسمالية

في الواقع اختلف العلماء حول مدلول مصطلح “الرأسمالية”، حيث نجد هناك عدة تعريفات  لها، ولكنها توحى جميعها بذات المعنى ونفس المدلول.

ولعل أبرز هذه التعريفات هو ما قدمه كل من ويرنر سومبيرت Werner Sombert وكُتاب المادية التاريخية و تفسير كارل ماركس Karl Markx، حيث نجد ويرنر سومبيرتWerner Sombert  يلتمس ملامح الرأسمالية من خلال شمولية الظواهر الاقتصادية و المتمثلة في الروح، أي روح المشروع أو روح المغامرة أو روح البرجوازية التي خلقت النموذج الذي يحكم المجتمع في ظل توجيه فكر وسلوك الإنسان إلى إيجاد العلاقات الاقتصادية التي ميزت العالم الحديث، أما التفسير الثاني الذي قدمه نوسبام Nussbaum للنظام الرأسمالي على أنه: ” نظام للتبادل الاقتصادي…الهدف الأساسي منه هو تحقيق الربح بلا حدود”.أما كارل ماركس Karl Markx فيُفسر الرأسمالية على أنها أسلوب معين للإنتاج “الذاتي”.

بناءً على التفسيرات الفلسفية المقدمة للرأسمالية  يُعًّرف معجم الأعمال الرأسماليّة بأنها:( من الأنظمة الاقتصاديّة العالميّة، والتي تعتمد على فكرة الملكيّة الخاصّة لكافة العناصر الإنتاجيّة، مما يساهم في تحقيق الأرباح الماليّة).

كما تُعرَّف الرأسماليّة أيضاً بأنها :(النظام الاقتصاديّ والسياسيّ الذي يتحكم في كافة مكونات اقتصاد دولة ما، والذي يساهم في توفير أدوات التحكم المناسبة في الأسواق التجاريّة المتنوعة).

فيما عرَّفت الموسوعة البريطانية الرأسمالية بأنها:( النظام الاقتصادي المهيمن في العالم الغربي منذ تفكك الإقطاع، الذي يعتمد معظم وسائل الإنتاج مملوكة ملكية خاصة ويتم توجيه الإنتاج وتوزيع الدخل إلى حد كبير من خلال تشغيل الأسواق).

بذور النشأة

من المشهور لدى المؤرخين أن الأصول الفلسفية للرأسمالية  ظهرت فى القرن السادس عشر، أى مع صعود حركة التصحيح البروستانتية, وما دعت اليه من أفكار مضادة للكنيسة فى عدة جوانب, ولاسيما الجانب الاقتصادى,و من الدعوة إلى التعامل بالربا, وترك الزهد فى الحياه، والحرية بمعناها االشامل فى الحياه عامة, والحياه الاقتصادية بشكل خاص.

والحرية الاقتصادية التى دعت إليها ترتكز على الإيمان بالاقتصاد الحر، وفتح الأبواب أمام كل المواطنين للثراء بلاقيد أو شرط والدعوة لمضاعفة الثروة،  وتضخيمها فى ضوء المنافع الشخصية، وهو ما كان من المحرمات التى وضعتها الكنيسة فى السابق.

آفاق التطور

كما ألمحنا سابقاً أن الرأسمالية ظهرت_كما يقول المؤرخين_ببداية القرن السادس عشر, إلا أن هذا التاريخ ليس دقيقاً بشكل كبير، فنواه الرأسمالية ظهرت عندما تحولت الكنيسة الكاثوليكية إلى دولة ثيوقراطية، فى القرن الثانى عشر الميلادى، إبان حقبة البابا جورج السابع الذى أعلن أن الكرسى الرسولى فوق السلطة الدنيوية، وبدأفى تغييرات فى الحياه عامة شملت بالطبع الجانب الاقتصادى ,فأقام منظومة لفرض الضرائب والرسوم ,وواكب ذلك الحملات الصليبية والتى عادت إلى أوربا محملة بالذهب، والذى يقول المؤرخون بأن ما أستولت عليه يفوق ما استولت عليه أوربا نتيجه إحتلالها لأمريكا الجنوبية .

ومنذ تلك اللحظة التى عرفت لدى المؤرخين بمرحلة(التراكم المالى)بدأت الكنيسة بتحليل التعاملات الربوبية بشروط معينة، ولكن بالتدريج انتشرت سياسية الإقراض الربوى التىكانت من أشد المحرمات فى السابق وتعاملت بها الكنيسة نفسها!!

ومن ضمن التعديلات التى ادخلتها الكنيسة تطبيق مفهوم(السعر العادل), ويعدذلك  إحدى أهم مراحل الرأسمالية فى أوروبا, فقبل ذلك التاريخ لم يكن مسموحاً بأى شكل من أشكال السوق الحرة، وكان أحتكار السوق هو سيد الموقف، ولكن بهذا القانون بدأت سياسةالمنافسة الحرة.

وهكذا بدأت الأفكار الرأسمالية تتسرب شيئاً فشيئاً ألى أوربا, حتى تم أفتتاح اول مصرف كاثوليكى بالمعنى الكلاسيكى المعاصر فى القرن الثانى عشر على طريق الحملات الصليبية فى جنوة, ثم فينسيا ,وشيئاً فشيئاً سيطرت هذه المصارف وما تبعها من شركات تجارية كبرى على تجارة شرق وغرب المتوسط.

وبعيداً عن نواة الرأسمالية التى ظهرت فى القرن الثانى عشر يقسم المؤرخون تاريخ الرأسمالية إلى اربع مراحل:

1-الرأسمالية التجارية

2-الرأسمالية الصناعية

3-الرأسمالية مابعد الصناعية

4-الرأسمالية المالية

اولاً:الرأسمالية التجارية

و ظهرت هذه المرحلة من منتصف القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن الثامن عشر, وارتكزت على تجارة العبيد بشكل رئيسى, وساهم ببروز هذه المرحلةعدة عوامل أهمها: تراكم رأس المال عن طريق السيطرة على طرق التجارة أبان الحملات الصليبية, وما تبع ذلك من تراكم للخبرات المصرفية والتجاريةوتدفق الثروات نتيجة للكشوف الجغرافية وما أسفرت عنه من إحتلال لبلدان العالم الجديد ونهب ثرواته.

وأضافة إلى ذلك ظهرت الثورات الفكرية وما واكب ذلك من ميلاد الدول القومية وانتشار الامبريالية  وتبع ذلك نتيجة القهر المجتمعى انتشار ثقافة التوسع والسيطرة على بلدان المشرق الإسلامى.

ثانياً:الرأسمالية الصناعية

وهي المرحلة الثانية لتطور الرأسمالية، والتى ظهرت مع الثورة الصناعية وما واكب ذلك من اكتشاف الآلة البخارية فى إنجلترا  وانتشاراها فى أوروبا ,مما أدى الى سياسية الميكنة الحديثة وتخفيض العامل البشرى فى الانتاج .

وهذا القى بظلاله على السياسية الامبريالية والتى كانت على أوجها فى ذلك الوقت، فدعم أسباب بقائها ,وشجع توغلها للسيطرة على المواد الخام لتشغيل المصانع التى أمتدت على طول القارة الأوروبية وعرضها.

ثالثاً :الرأسمالية ما بعد الصناعية

وهى المحطة الثالثة لتطور الرأسمالية وظهرت فى نهاية القرن التاسع عشر، وتعرف (عصر التقنية)وظهرت كنتيجة لأكتشافات الحرب العالمية الأولى والثانية، وما أسفرت عنه من تقدم فى مجال تكنولوجيا المعلومات .

وبأنتهاء الحرب بدأت الدول بالأستثمار فى مجال التقنية، وتبعتها الشركات الاحتكارية وتأسست فى تلك الحقبة ما يعرف بالشركات متعددة الجنسيات،  وبدأت بأحتكار الأسواق العالمية ,والسيطرة على اقتصاديات الدول النامية.

رابعاً:الرأسمالية المالية

بدأت هذه المرحلة فى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفيها ازدات الشركات الدولية توحشاً حيث بدأت فى إحتكار رؤوس الأموال عبر العالم، وأخذت المؤسسات الصناعية الكبيرة  تسيطر على الأسواق، وتقضى على  المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، منهية بذلك عصر رأسمالية المنافسة، وبرزت قوة رأس المال المالي.

وسعت الشركات الدولية  لتحقيق أقصى معدلات الربح بتجارة الديون, والمضاربة فى أسواق المال بالمشتقات المالية المتنوعة، وربط المصارف الكبرى ببعضها ,ودمج الشركات العملاقة عبر العالم,مما سبب حدوث الأزمة المالية العالمية 2008.

بداية وخاتمة

 كان لنتاج هذا النظام الإقصادى أثراً اجتماعياً وفكرياً مزلزاً على كافة الأصعدة والمستويات، فخلف لنا فلسفة الحداثة، وما حملته لنا من أفكار تعظم المادة وتدعوا للاستهلاك، وفى المادية هلاك الإنسانية.

وفيه سيطرت القلة القليلة على أغلب رؤوس الأموال واحتكرت السلع والخدمات فازدادت الهوة بين الفقراء والأغنياء فازداد الغنى غنى، وزاد الفقير بؤساً وتعاسة .

وإن كانت الأزمة المالية العالمية 2008 إحدى فقاعاته، و التى عصفت بإقتصاديات كبريات الدول والشركات، فإنها لن تكون الأخيرة بكل تأكيد ,ولازلنا نعانى إلى اليوم من إخفاقات هذا النظام إلى أن يتصدع فى نهاية المطاف مخلفاً كارثة عظمى وتدميراً أقل ما يوصف بأنه سيكون مهلكاً,وإن كنا نشهد بوادره حالياً بظهور أشنع المجاعات وأفجع الحروب .

يقال (إن عالماً لا تتوازن فيه الأعتبارات الأقتصادية بالمصالح الأخرى لهو عالم قاتم) فهل يصحو ضمير الإنسان من غفوته ويتدارك كارثة مقبلة حتماً وإن تأخرت قليلاً؟!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى