أسلوب حياة

السعي نحو المثالية إرهاق للنفس وإهدار للطاقة

لا أحد ينكر رغبته الدائمة وسعيه المتواصل إلى المثالية لكي ينجز أية مهمة من مهام حياته اليومية، سواء الشخصية أو المهنية، على نحو صحيح يخلو من الهفوات والأخطاء، وإتمام جميع الأعمال على أكمل وجه دون إغفال أو نسيان. لكن عندما تتحول هذه الرغبة إلى نزعة نحو الكمال، ويصبح هذا السعي تكليفا للنفس فوق ما تطيق من احتمال، تصبح هذه الميزة نقمة وهذا التفوق إرهاقًا وإنهاكًا للذات، وهو ما يؤدي في الغالب إلى مضاعفة الضغوط والتوترات.

الباحث عن الكمال لا يشعر ولن يشعر أبدًا أنه أدى مهامه على النحو الأفضل، فهو يحس دائمًا بالنقص والقصور، وأنه لا يستطيع إنجاز أي شيء، مما يولد لديه شعورًا بالإحباط والعجز، وضغوطًا نفسية مدمرة، من قبيل مواجهة موقف يشعر فيه المرء بأن الحياة تخرج عن نطاق سيطرته.

في وقت من الأوقات، اعتبر الباحثون أن النزعة المثالية حالة جيدة، وأن البحث عن الكمال هدف مرغوب فيه؛ حيث ساد الاعتقاد بأنه يجب قضاء المزيد من الوقت وبذل كثير من الجهد من أجل إنجاز الأمور على النحو الصحيح. ثم أدركوا شيئًا فشيئًا أن هذا الجري وراء المثالية ربما يقف حاجزا أمام إنجاز الأمور، بدلًا من كونه عاملا مساعدا، فيتم ترك العمل أو التراجع عن مشروع أو كبت موهبة خوفا من الخطأ والإغفال، وخشية النقد والملاحظات، وهو أمر بالغ السلبية لأن الخطأ مشروع ولا يجب أن يثني أبدا عن أي عمل لكون صاحبه لا يشعر بالرضا عنه.

كما أن الشخص المثالي يستغرق وقتا طويلا في التفكير بالقيام بكل شيء مما يتسبب في حدوث ضغوط رهيبة؛ لأنه لا يستطيع إنهاء أي مشروع فحسب، بل يؤدي تراكم الأعمال لديه إلى انعكاسات توهن قدراته وتصيبه بعجز يصعب عليه تخطيه.

وفي بعض الحالات تكون المثالية جزءا من طبع الإنسان وخصلة راسخة فيه، فينعكس ذلك على سلوكياته سواء الاجتماعية منها أو المهنية، فيضطر غالبا للاختفاء نظرا لعدم الرضا عن نفسه وعن تصرفاته وإنجازاته، وفي حالات أخرى يكون هذا السلوك مكتسبا، ويتطور مع مرور الوقت واكتساب الخبرة، حيث ٴيقدر المثالي نفسه بحسب حجم الإنجازات التي يقدمها واعتمادًا على قبول الآخرين وتقديرهم لها. وربما يؤدي هذا الخوف من تعليقات الناس الإيجابية والسلبية، إلى خلق حساسية مفرطة تجاه آراء الآخرين وانتقاداتهم، سواء كانت حقيقية أم وهمية، نسجها الشخص المثالي في خياله هو فحسب.

إن الشخص المثالي يرغب في القيام بكل شيء كما ينبغي؛ وهو شخص له معايير ومبادئ مبالغ فيها، ولا يمكن أن يحيد عنها، كما أنه لا يستطيع تغيير مثل هذه المعايير وفقاً للوقت المتاح والجهد المطلوب، إلى حد يشعره بالفشل ويجعله عرضة للإصابة بالاكتئاب. وتختفي وراء المثالية مشاعر خوف وحاجات دفينة وسعي نحو تحقيق الأهداف، تحت هاجس الخوف من الفشل، مع إحكام السيطرة على المشاعر، وإخفاء نقاط الضعف أو فقدان السيطرة على النفس أو على الأمور.

وخلاصة القول في هذا السياق أن المثالية تعتبر إنهاكا للذات وإرهاقا للنفس دون داع ولا مبرر، فالإنسان يتعلم من أخطائه، وإذا خفنا من ارتكاب الخطأ، فإننا غالباً ما نميل إلى السلبية وطغيان مشاعر الخوف عند الإقدام على فعل أي شيء. ولعل تضخيم الأمور من أبرز هذه السلبيات، لكونه يجعلنا نركز على الجانب الفارغ دائما، أي على الأمور التي نعجز عن تحقيقها أو عن تغييرها ويدفعنا لإهمال باقي الجوانب الإيجابيّة من الحياة، ويحدث ذلك شيئاً من عدم التّوازن والخلل يؤديان حتما إلى فقدان السّعادة والرّضا عن النفس.

إن ارتكاب الأخطاء جُزءٌ لا يتجزّأ من الطبيعة البشرية، فالأخطاء تُشكّلُ مصدرًا قيّمًا للتعلم ولإثراء تجارب وخبرات الحياة، وتحفيز الذات وتوسيع آفاق العمل وبذل الجُهد وتوفير الطاقات للتركيز على أُمورٍ أكبر.

يبدو أن المثالية في عالمنا هذا وفى عصرنا بالتحديد أصبحت أمرا صعب التحقيق يلقي بصاحبه في براثن من لا قيمة له من البشر، ويجعله ينهك نفسه ويبذل طاقته في عالم انهارت فيه القيم وسادت فيه المتناقضات.

ولأن إرضاء كل الناس شيء مستحيل إدراكه والوصول إليه، يتحتم علينا جميعا إفساح المجال لبناء الوعى المطلق بضرورة تبني سلوكيات تتيح التعايش المقترن بالراحة النفسية والاقتناع بأن الكمال لله وحده.

اقرأ أيضًا : تعلم المهارات هو طريقك إلى الكسب من الإنترنت

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق