مدونات

السعادة والشقاء

الكثير منا يعتقد أن السعادة والشقاء هما حظ وقدر مكتوب على الإنسان ليس منه مفر، وليس بيد الشخص الهروب من هذا الوضع لا مُحال، وبالتالي يستسلم للأمر الواقع، ويرفع الراية، ويعلن الخسارة، ولكن الحقيقة أن السعادة والشقاء هي من صُنع الإنسان نفسه حسب أفكاره ومعتقداته وحالته وظروفه التي يمر بها، واقتناعه بأنها ظروف قهرية لا يمكن تغييرها.

ولكن لو تم التفكير قليلًا، فسوف يلاحظ أنه يوجد أشخاص ملكت كل شئ ومع ذلك يعيش هؤلاء الأشخاص في تعاسة، وأشخاص أخرين لا يملكون قوت يومهم ومع ذلك الابتسامة لا تفارق وجوههم.

إن السعادة والشقاء صناعة داخلية وليست حظًا أو قدرًا مفروضًا على الشخص، فيستطيع الإنسان أن يتخلص من الشقاء ويعيش في سعادة، إذا قام بعمل بعض التغيرات في حياته، ومنها البعد التام عن المقارنات، والنظر إلى الأخرين، وإلى ما في أيديهم، والتركيز على حياته والنعم التي وهبها الله له، والتي قد تكون ليست متوفرة لدى الكثير من البشر.

 فتلك المقارنات سوف تدمر الشخص، وتبعده عن ربه، وتدخله في دوامات الحزن، ويعيش في شقاءٍ وتعاسةٍ.

يجب على الشخص ألا يستسلم أو يرفع الراية البيضاء، فالمعركة لم تنتهِ، فقد تكون قد خسرت جولةً أو جولتين أو حتى عشر جولات خلال عمرك، ولكنك مازلت تقف على قدميك في الحلبة، وتستطيع أن تفوز بإصرارك وعزيمتك واقتناعك بأنك تستطيع فعل ذلك، وليس باستسلامك للأمر الواقع ورفع الراية وإعلان الخسارة.

فيجب أن تحاول وتبذل قصارى جهدك للخروج من تلك الحالة، لإن استسلامك لها سوف يفتح عليك أبوابًا كثيرةً من الحزن، وتكون مدخلًا للشيطان أن يفعل بك كما يريد، من خلال أخذك إلى الذكريات الأليمة وإلى الماضي، وسوف تتذكر فقط كل ما يحزنك، وتنسى باقي النعم واللحظات السعيدة في حياتك.

فكل شخص في هذه الحياة له لحظات سعيدة ولحظات حزينة، فالتركيز على الحزن سيجلب لك الحزن والتركيز على السعادة سيجلب لك السعادة، فكل ما تفكر فيه وتقتنع به سيحوله لك عقلك الباطن إلى حقيقة وواقع أمامك؛ لإنك خرجت من التفاؤل إلى التشاؤم، واستسلمت للأحزان والأوجاع والتعاسة والشقاء.

وكن على قناعة تامة أن مع العسر يسرًا، وما ضاقت إلا وفرجت، ولكن نحن نلجأ إلى أبوابٍ كثيرةٍ وننسى باب الرحمن الذي بيده كل شئ، وللأسف نغرق في أحزان وشقاء وننسى الدعاء.

وعليك الابتعاد عن المشاكل مع الحمقى، حتى لا تنغرس في معارك خسيسة من شأنها أن تعكر دمك وصفائك الداخلي، فطالما أنك علمت أنهم أصحاب نفوسٍ ضعيفةٍ وحمقى، فالعلاج الفعال لهم هو اجتنابهم وعدم الخوض معهم في أي مشاحنات أو كلام، والابتعاد عنهم قدر الإمكان، فهذا من شأنه أن يبعد عنك الأشياء التي تُدخلك في مشاكساتٍ وكلامٍ غير مقيد، وخصوصاً أنهم أشخاصٌ مريضةً نفسياً.

يجب عليك ألا تحمل نفسك فوق طاقتها من خلال تفكيرك المستمر في مشاكل الجميع، وتحمل على صدرك جميع المشاكل، وتعيش في ضيق وحزن، ربما أكثر من صاحب المشكلة نفسه؛ فأنت لست الراعي المسئول عن جميع البشر، فما في يدك افعله وما ليس في يدك لا تفكر فيه، فالجميع لهم رب يدبر الأمر لهم، وقد لا نعلم الحكمة من الضيق الذي يمر به الآخرين.

 لإننا لسنا خالقي البشر ولو علمنا الغيب لاخترنا الواقع، فلا تُحمل نفسك ما لا طاقة لك به، وهذا ليس تخاذلًا منك، ولكن ليس في يدك شيئا لتفعله، فأنت لم تقصر، ولكن لا تملك الحل، فعلى الشخص اللجوء إلى رب الأسباب والدعاء لرب العالمين؛ فهو القادر على تغيير الأمر وليس أنت.

يجب أن يكون هدفك هو رضا الله في كل فعلٍ وعملٍ، وليس رضا البشر ومحاولة إرضاء الجميع؛ لإن رضا البشر جميعاً دربٌ من دروب المستحيل، فعليك أن تكون مقتنعًا بذلك، فافعل ما يرضي الله وضميرك، ولا تنظر إلى إرضاء البشر؛ فالناس تختلف وتتفق معك حسب الأهواء، فلتكن غايتك هي رضا الله.

اغتنم أي لحظاتٍ سعيدةٍ في حياتك، واجلس تتذكرها، وانعم بالابتسامة التي ترتسم على وجهك وأنت تستعيد تلك الذكريات الجميلة، وقد تكون تلك اللحظات في عشاءٍ مع من تحب، أو في يوم زفافك، أو يوم إنجاب زوجتك، أو يوم نجاحك، أو يوم حصولك على وظيفة أو ما شابه ذلك من لحظات سعادة مرت عليك، فيجب عليك أن تغتنم تلك اللحظات، وتجلس تنعم بها في مكانٍ هادئ مع كوباً من الشاي أو القهوة، سواء عند شروق الشمس أو عند الغروب، أو في الليل في ضوء القمر أو غير ذلك، وتتذكر تلك اللحظات وتعيشها بسعادة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د / عماد الأطير

دكتوراة فى المحاسبة وإدارة الأعمال من بريطانيا ومدير مالى وكاتب روايات ومقالات فى اليوم السابع واليوم الثامن وجريدة شباب مصر و22 عربي ومدون فى مواقع ساسة بوست وهافينتجون بوست

تعليق واحد

  1. صدقت القول فالسعادة والحزن هما من داخل الانسان فكن جميلا ترى الوجوه جميلا وعلى حسب نظرة الشخص يرى الاشياء امامه ويشعر بها سواء كانت اشياء سعيدة او غير ذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى