مدونات

السعادة في فهم الآخرين

إن الحياة السعيدة لا تتمثل في العيش مستمتعاً بمعزل عن الآخر، فأول ما يقوم به الإنسان حين يبلغه الفرح هو سعادته والبحث في تلك الأحيان عن الآخرين ليعيش معهم ويشاركهم هذا الفرح، فهذه طبيعة الإنسان، وهذا مكون لديه بالفطرة، بل إنه لا يتخيل العيش بمعزل عن الآخر.

فالآخر لا تكمن أهميته في تحقيق الاكتفاء الذاتي المتعلق بالمعاش في الشق المادي، وإنما لتحقيق اكتفاء ذاتي عاطفياً كذلك، إذ أن روح الإنسان متعطشة لمشاعر الآخرين، وكأنها في حقل طاقة لا تعمل إلا بتوفر عنصرين على الأقل.

إن حياة الفرد مبنية على الجانب المادي والروحي كذلك، فالجانب الروحي متعلق بشكل مباشر بحاجات الإنسان الضرورية التي لا محيد عنها في كل وقت وحين، ولذلك كان الإنسان منذ القدم في بحث عن الآخر الذي يتفهم مشاعره وحاجياته ليسد خصاصه العاطفي، ولن يجد المرء هذه الخصال في أي كان، وإنما لا يجدها إلا في شخص آخر يفهمه ويتفهم وضعه وسلوكاته وتصرفاته ويقبل بها.

لكن الأهم هو أن تفهم الآخر لا يكون من طرف واحد، وإنما يكون من جميع الأطراف المعنية، فإذا كان من طرف إلى الطرف الآخر ولم يحصل العكس فهذا يحمل احتمالان؛ أولهما أن تستمر علاقتهما بمشاكل تحتم على طرف واحد أن يصبر لها، وثانيها أن تتفرق هذه العلاقة التي لم تنبني في أساسها على الصبر.

يعني أن التفاهم يساوي حياة سعيدة بكل مقاييسها، لأن كل العلاقات القائمة على التفاهم لا يمكن أن تكون فاشلة، وإنما تكون ناجحة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لذلك وجب التأكيد على كون التفاهم له معاييره المحددة، وأولى هذه المعايير تتجلى في الاحترام؛ احترام الإنسان، نعرف جميعًا أهميته لكون الإنسان في أمس الحاجه إلى الاحترام والتقدير وإلى من يعيه كذات ويفهم حاجاته ويفهم حتى مشاكله.

لذلك يجب ألا ننظر للآخر بنظرة نحكم فيها عليه بشكل سيء، وإنما يجب أن ننظر إليه بنظرة نعذره فيها عن أي تصرف ناتج عنه، ونحتمل دائماً الاحتمالات الإيجابية، فهذا يجعلنا أكثر تفهمًا للآخرين، ومن أهم الأشياء التي يجب أن ننظر إليها بتمعن وتركيز، هو أن معظم الخلافات الزوجية مثل التي تنشب بين زوجين تكون نتيجة مجموعة من الأفكار السيئة والجاهزة التي يأخذها كل طرف على الآخر.

فعلى سبيل المثال يظن الزوج أن زوجته ملكٌ له، وهذا خطأ فادح يجعل العلاقة بينهما غير مبنية أساساً على أي تفاهم، وذلك لكون العلاقة مع الآخر سواء كان الزوج أو غيره بصفة عامة، فإنها تتجلى في كون الآخر إنسان يصدر سلوكه من تلقاء نفسه، ولا يصدر سلوكاته من أي جهة أخرى، وأن محبة الآخر لا تعني امتلاكه.

هذه أهم العناصر في عنصر التفاهم، وهو شرط أساسي لا محيد عنه في تطبيقه، إذا أردنا بشكل دائم علاقات ناجحة، يجب أن ننظر إلى الآخرين بكونه إنسانًا له مشاعر وله استقلاليته في تفكيره، ولا يجب أن ننظر إليه كشخص نتبناه أو كشخص نمتلكه فكرياً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى