ثقافة وفنون

السجل المادي للإنسان العاقل

يعتبر النوع سابينز استثنائيا في عدة جوانب ترتبط بتاريخه المعقد، والذي كان ثمرة انتشار أولي سريع جدا خارج مهده الأفريقي، وقدرة فريدة على التحرك. ففي أيامنا يحتل البشر كل المناطق الصالحة للسكن، وذلك بفضل قدرة استثنائية على التكيف وابتكار متطلبات البيئة من الناحية التكنولوجية. هذه التكنولوجيا التي تظهر في السجل الحفري بشكل مفاجئ منذ 40 ألف سنة فصاعدا، مثلت قطيعة مع النتاج الثقافي السابق ودعت الباحثين لاجتراح مفهوم “العصر الحجري القديم الأعلى” الذي يقترن في الأذهان بالإنسان العاقل.

أدى هذا الانتشار الواسع والتكيف مع الظروف المحلية إلى ظهور تمايزات فيزيائية وجغرافية وثقافية بين السكان، وهذه الاختلافات (الظاهرية) تبقى مؤقتة في جوهرها. إذ تحتفظ هذه الجماعات بقابليتها على الاندماج وخسارة تميزها عند الاتصال فيما بينها.

أفضل الدلائل الباكرة على وجود أسلاف يشبهوننا ويتصرفون مثلنا تأتي من أوروبا، قبل 40 ألف سنة، وهؤلاء الأسلاف نسميهم كرومانيون. وربما يكون هؤلاء قد أتوا إلى أوروبا من أواسط آسيا، أو من موجة هجرة لاحقة من افريقيا، أو قد تحدروا من العاقل القديم الذي وجد في المشرق. أيا يكن، فقد تفتق عن ظهورهم وعي جديد عبر عنه مزاج فني وتقني مزدهر. فقد ابتكروا الثقافة الأورينياسية في صناعة الأدوات الحجرية، والتي تتضمن تشكيل لب اسطواني باستخدام مادة الصوان، بغرض إنتاج نصال متنوعة ورقيقة من هذا اللب. كما شكلوا أدوات عملية وتزيينية من القرون والعظام. أما المزاج الفني فازدهرت شواهده بداية على جدران الكهوف في مشاهد حيوانية وأشكال مجردة رائعة؛ مثل رسوم كهف شوفيه في فرنسا التي ترجع إلى نحو 32.000 سنة، ورسوم فومانه في إيطاليا وتؤرخ إلى 35.000 سنة. أما أقدم فن منقول رمزي فيتمثل بتمثال عاجي لحصان طوله بوصتين عثر عليه في كهف فوغلهيرد واستخدم كقلادة ربما منذ 34.000 سنة، وتمثال لإنسان برأس أسد. ويقول العلماء أنهم عثروا على قطعة عظمية مسطحة تحمل ترقيمات قد تشير إلى روزنامة قمرية تعود لنفس الفترة!
بالإضافة إلى ذلك، كثرت التماثيل الإنسانية، وخاصة الأنثوية، وأشهرها فينوس فيليندورف التي تعود الى أكثر من 22.000 سنة، وفينوس براسيمبوي وعمرها 22.000 سنة (الصورة).

كما تعود أقدم آلات موسيقية صنعت من عظام النسور إلى أكثر من 30.000 سنة في مواقع فرنسية، وهي عبارة عن مزامير صوتية معقدة. مما يدل على أن الأورينياسيين عرفوا الرقص والغناء والموسيقى ورواية الحكايات. كما تشير إبر عظمية دقيقة فيها ثقوب عثر عليها في تشيك وتعود إلى 30.000 سنة إلى خبرتهم في حياكة الألبسة. كما كانت مراسم الدفن لديهم عالية التطور والأهمية، ويدل على ذلك رجل مسن دفن في سونغير بروسيا قبل 28.000 سنة مرتديا رداء مزخرفا خيطت عليه حبات خرز من ناب ماموث يتطلب صنع كل حبة ثلاثة ساعات على الأقل، وارتدى سوار وقبعة وعقدا، وبالطبع لم تكن جميع مراسم الكرومانيون متطورة إلى هذا الحد. لكن هذا يلقي بالضوء على جوانب هامة لمجتمعاتهم. إذ لا بد أن مجتمع سونغير تمتع بفائض اقتصادي كبير.

ترافق هذا الإنتاج الابداعي مع تنوع في أنشطة الصيد والنظام الغذائي: فقد اصطيدت الأسماك والطيور، وهذا يتطلب وسائل صيد وشراك أكثر إتقانا من صيد الحيوانات البرية.

يمكن أن نستمر في سرد هذه الشواهد إلى ما لانهاية، فسجل الكرومانيون الأثري هو الأكثف. لكن إن كانت الأدلة تدعم حقيقة أصولنا الإفريقية، ألا يجب أن نبحث عن مقدمات الحداثة السلوكية في إفريقيا قبل أي مكان آخر؟ لقد كان النقص المزعوم في الأعمال الفنية بكهوف إفريقيا كافيا لاستبعادها من كونها مصدرا للحداثة السلوكية للعاقل. يرفض الأنثروبولوجي برنارد وود هذه الحجة، وذلك لسببين منطقيين:

أولا: وجود أعمالٍ فنيةٍ داخل الكهوف في أفريقيا؛ فلم يكن علماء الآثار يبحثون بالقدر الكافي. وثانيا: حتى يوجد فن داخل الكهوف، لا بد من وجود كهوف، ولا توجد كهوف في أجزاء كثيرة من إفريقيا.

يعتقد بعض علماء الآثار أنه يمكن تتبع هذه الحداثة والتفكير المنظم في إفريقيا، فعلى سبيل المثال: إن أقدم المجسمات الرمزية في العالم، عثر عليها في كهف بلومبوس قرب نهر كلاسييس في جنوب إفريقيا، وهي عبارة عن قطع مسطحة بنية اللون وضاربة للصفرة تعود إلى 75000 عام، وكانت منقوشة وفقا لتصميم هندسي، وتترافق مع أصداف مثقوبة يعتقد أنها صنعت للزينة الشخصية. ربما تعكس تلك “القلادات” دلالات ومضامين ذات أبعاد اجتماعية معينة. وتفصح هذه الاكتشافات الفردية النادرة عن احتمالات عديدة، أحدها أن هذه القدرات كانت كامنة في أسلافنا منذ نحو 100.000 سنة، وانتظرت أن يكتشفها مالكوها حتى تجد لها تعبيرا سلوكيا وانتشارا ليس بالضرورة أن يكون خطيا بالمعنى السلالي للكلمة. فالأفكار الناجحة تنتشر بسرعة، إن لم يكن أسرع، من انتشار الجماعات. ويتطلب هذا استمرارا للبحث وطرح الأسئلة لتصبح الصورة أكثر اكتمالا.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى