مدونات

الزنزانة ولقاء أنثى الملهى

ينهض من مكانه بعدما إستيقظ باكرًا على غير عادته، كان شغوفًا بالنوم حتى منتصف النهار، يمارس الفن بشغف كبير، ينتظر زيارة مجهول خيل له في منامه من دون ملامح، ينتظر حليمة تلك الزوجة الصغيرة التي كانت زوجته قبل ولوج جدران الزنزانة، لا يغارقه تذكر رفقاء السلاح، وعندما لا يأتي أحد ليزوره يصبح أسيرًا من جديد يكتب عن الخيانة والأفكار الجياشة، كان أشد الناس حرصًا وإعجابًا بالأدب العربي، بقومية عبد الناصر، إشتراكي الفكر والتوجه، أحيانا ندخل في عرمرمٍ من النقاشات التي لا تنتهي أبدا، كانت تذيب جليد سمرة الزنزانة البائسة المظلمة.
في قاعة الإنتظار حيث يشع أمل اللقاء ولوعة الإنتظار، كنا ننتظر الحارس النحيف من أجل سيجارة


فرنسية تبقيه واقفًا هنا يتذكر ماضيه وينسيني ماضي أنا، تبقيه واقفًا حيًا يستطيع قراءة الكتب والكتابة.
كان يردد في سره كما علانيته أشياء كثيرة:
_ الأفكار الخبيثة كصاحبها، تشرق كوردة وسرعان ما تموت، كالحب حينما يتحول إلى كراهية بمجرد أن ترمق مكيدة الشيطان.
ويكتب تعويذته المنتظرة كل صباح مع إشراقة شمس يوم جديد على الطاولة القديمة المترامية أطرافها تحتل الزنزانة من كل الجوانب:
_هناك دمى وخيوط وأيادٍ تحركها، تتشابك الخيوط بفعل الأيادي، تحترق الشموع لتضيىء مساء سماء تغيب فيه الحرية.. الكل هنا قد اختفى، لا بقاء إلا لقوي وقوة تبقيه واقفًا، بعدما واجه العاصفة وغالب العاطفة..
وعندما يدخن سجارة الغاليون وينتهي بنشوته المعهودة، يلتفت جهتي مبتسما، تاركًا كل شيء جانبا، بهمهمات غير مفهومة إلا ما التقطت أذناي:
_جدي لم يكن كذلك، الأب أيضًا، تبدأ تلك الشرارة الأولى وسرعان ما تنتهي، الرياح هنا قوية وصمود ضوء الشموع أقوى لكنه يموت بعد مقاومة عنيفة ساعات طويلة، يحرق نفسه لقاء سعادة الآخرين.
ثم يبدأ يومه بروتينه المعهود منذ أن التقينا هنا، ككل صباح بعد القراءة والكتابة، نتطلع كعادة الأحرار النظر إلى وجه الشمس ومبارزة السماء والأرض، فلا شمس نبارزها ولا حديث يكسر هذا الصمت القاتل، إننا ننتظر بشغف كبير إطلالة الحارس النحيف، يحمل الفطور والأخبار، إنه نافذة نطل بها على العالم الخارجي، بالرغم من قصر كلامه وتوجسه الدائم من الحراس الآخرين.
ومع طول الانتظار كنت أتفقد ملامح وجهي ووجه صديقي العزيز وهذه الجدران والسقوف، عبر الثقب أراقب الذي يأتي والذي لن يأتي، ثم أكتب ذلك خيالا وحقيقة، إني أمارس فعل الكتابة رغبة في عيش حياة أفضل بعيدًا عن الواقع الذي رماني هنا، أسبح في لجة الخيال الروحي كرفيقي الذي لا يفارقني، لا حياة بعدها إلا هنا على هذه الأوراق البالية، كل الحياة ماتت هناك حيث يموت الجميع ونموت نحن، لكني كنت حيًا بمداد من القلب أكتب الماضي الذي قتلني أكثر من مرة.
تمر فتاة جميلة وتظهر ملامح جمالها من خلال الثقب، تقف قليلا وكأن القدر همس في أذنيها توقفي كي أراها، بدأت أتأمل ملامحها، كل شيء يشبه سعاد، الإحساس الذي بداخلي هو الذي لا يشبهها فقط.
في غفلة الناس وأمام هذا الثقب الضيق بدأت ذكريات تتسلل إلي، ثم تظهر سعاد على سرير الزنزانة بتلك الطلة البهية والإبتسامة البهيجة، كيوم اللقاء الأول، ذلك اليوم الشاتي الممطر بالقرب من البحر.
بعد يوم متعب إستلقيت على فراش النوم أرعى الأفكار، أحاول ان أصنع شيء جميل أستغيث به من ظلمات الحياة التي جنت علي ويلات لا عد ولا حصر لها، كعادتي في ذلك البيت الشاسع يرن الهاتف..
بصوتها الحلو الجميل وتمايل كلماتها العذبة، دار ذلك الحديث القصير بيننا، وبعدها قررت أن نلتقي يوم السبت على الساعة الثالثة عصرا..
وافقت على الموعد دون تردد، ثم حدد المكان الذي سنلتقي فيه، إنها أول مرة سأكون رفقة فتاة بهذا الجمال وهذه الجرأة، هذا ما كنت أبحث عنه مع أنني صادفت ذلك بالبيضاء ومراكش وطنجة، لكنها أشياء عابرة فقط، أشياء كثيرة كانت تعجبني، تروقني وتنبث في قلبي حياة جديدة.
رتبت جميع الأمور لكي أعود إلى بيتي القديم، كان علي أن أستقل الحافلة القادمة على الساعة الخامسة والنصف لولا اتصال أحد الأصدقاء بي الذي طلب مني البقاء حتى الإثنين، علينا أن نأخد في جولة مسائية على جنبات البحر المجاور وأن نسهر بعض الوقت نتطارح قضايا الأدب وسحر الفتيات وأخبارهن.
بعد جولة صاخبة وحديث طويل عدنا إلى مقهى العرب بالمدينة، حيث وعدني صديقي بالعودة بمجرد الإنتهاء من ترتيب بعض الأغراض المنزلية، كنت أعرف بأن الأمر سيأخذ وقتا طويلًا كعادته، إنه يتأخر كثيرًا، عادة سيئة للغاية لكنه أدمنها كثيرا.
دخلت على عجل إلى المقهى التي لم أعتد على الجلوس فيها، والتي يفضل رفيقي المكوث فيها كثيرا، توغلت إلى أن وصلت الى الوسط العامر ثم قادتني السلالم صدفة إلى الأعلى الذي لا أحب الجلوس على كراسيه، حيث يجلس أغلب العشاق وأنا من جملة من شملهم الحرمان مؤخرا.
عدت إلى الخارج نظرت الى الكراسي الخاوية إلا من بعض الناس، حتى استقرت عيناي على أحدهم، ثم جلست أنتظر قدوم ذلك النادل الأسمر ذو القميص الأبيض والسروال الأسود، تصفحت الجريدة التي كنت أقرأها منذ الطفولة، عناوين تافهة لا قيمة لها، وأشياء أخرى كثيرة خارج السياق، لا شيء قد يجعلك تهوى إليها وإلى قراءتها، ثم أنظر إلى التي كانت تجلس بجانبي كثيرا أتأمل جسدها الناعم وأفرك يديها ثم ننظر إلى بعضنا البعض كلما أتيحت الفرصة وأنتهت كلماتنا.
وفي لحظة الانتظار وقفت شابة في ذهول أمامي مبتسمة، لا تبالي بمن معي نظرت إليها بذعر، إنها فتاة أشبه بسعاد التي التقيتها السنة الماضية، تفحصت جسدها بنظراتي، أشياء كثيرة تغيرت، الملامح والجسد، سعاد التي كنت أعرفها رقيقة الشعور، دائمة الإبتسامة حتى في أحلك الظروف، غاب عنها كل ذلك وكأن لعنة حلت بها، الجمال ذبل والابتسامة رسمت بلون الحزن والأسى، وبالرغم من كل هذا فقد كانت تنظر إلي بإبتسامة فيها حب وذكريات، اليوم لم يعد أشبه بالأمس.
_أنت هنا لقد غبت لفترة طويلة، لم نلتق منذ مدة طويلة!!
كيف حالك؟
-بخير الحمد لله على كل حال أنا هنا لأول مرة لقد كنت أبحث عنك طوال الوقت، ولكني فشلت في ذلك.
-عذرًا لقد غيرت رقم الحساب الخاص بي والهاتف .. تريد كوب قهوة إيطالية، أنت تحب هذا النوع، أذكر ذلك جيدا.
-لا.. انا أريد عصير الليمون، لا أريد تذكر الماضي، المضي قدما إلى الأمام أفضل..
-حسنًا انتظر قليلًا حتى أنتهى وسنشرب العصير معًا ونتحدث قليلًا..
-مع القليل من السكر أريد أن أكون رشيقًا كالعادة.. لا تنس ذلك.
تبتسم ابتسامة باردة تحاول أن تخفف الضغظ الذي تعيشه كل أنثى ماتت أنوثتها هنا بين كراسي المقهى ودخان الرواد، وبعد دقائق أحضرت العصير كما طلبت وجلست إلي.
-تعلم أني سعيدة للغاية اليوم برؤيتك، لقد قادني القدر إلى هنا صدفة
-وأنا أيضًا قدمت إلى هنا صدفة..
-الأشياء التي بداخلنا عادة ما تحدث صدفة، حتى ولادتي كانت صدفة، قدومي إلى دكالة أيضًا، كل حياتي مجرد صدف، لا شيء يعجبني في هذه الحياة الموحشة.. قدمت من تارودانت في الرابع عشر من عمري بعدما تزوج أبي بسيدة أخرى، مرضت أمي ولم تعد تقوى على العمل، إخوتي هاجروا إلى العمل في الحقول والضيعات هناك بأكادير.. كان علي أن أتوجه إلى خالتي، حيث أكملت دراستي إلى أن وصلت إلى المرحلة الثانوية، بعدها لم يعد يعجبني أي شيء، أصبحت في حاجة ماسة إلى المال، بدأت أبحث عن السعادة والمال، الحياة بالنسبة لي تختزل في أمرين وكفى، مال وسعادة.. كنت أضحك بشكل هستيري كلما سمعت عن الحب والعشق وتفاهات العلاقات، وبالرغم من ذلك فقد أحببتك بشكل جنوني، لا أعلم إن كنت تبادلني نفس الإحساس، أنت ذو قلب جاف وقاسي جدا ومع ذلك كنت أحس بالراحة بين أحضانك.. كانت الأيام القليلة التي قضيتها معك أجمل شيء حدث معي في هذه الحياة، وبعدها بدأت العمل في خمارة أقدم الخمور والرقص للزبناء، أدخن النرجيلا وأشرب القليل من “الفوتكا” و”الويسكي”، أحضر الليالي الحمراء أتيه بين دهاليز العلب الليلية تتقاذفني الجدران والشوارع كل ليلة ويوم.. بعدما أصبت بكسر تخلى عني الجميع ولم أجد من يقف بجانبي، الكل تخلى عني.. فكرت كثيرًا في أن أضع حدًا لحياتي، لولا لطف الله.. ها أنا أعود مرة أخرى إلى العمل نادلة في المقاهي والمطاعم، بثمن بخس دراهم معدودة.. الآن علي أن أغادر لقد انتهى وقت المداورة.
بعد ساعات من الانتظار والترقب وقبل أن تكمل حديثها الطويل، حضر زميلي الذي كنت انتظر، نهضت من مكانها وإتجهت إلى الوراء بعدما تسلمت النقود وصافحتني، وهي تتمنى زيارتي مرة أخرى..
ثم مضت تلك التي ذكرتني بالنادلة سعاد وأختفت عن الثقب الصغير، بدأت أترقبها وهي تغادر عن بعد حتى اختفت، عدت إلى مكاني وقد أحضر لي الحارس القهوة المعتادة والجرائد والمجلات، ظل واقفًا يراقبني وأنا أرمق أعلى الثقب اتتبعها بنظراتي الحزينة، اختفت واكتفى تفكيري بالعودة إلى الزنزانة البائسة يتذكر تفاصيل لقاء أنثى الملهى.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق