مدونات

الروح والجسد

ألا إن رغبات الإنسان مثيرة للتساؤلات، ونفسه تثير اهتمام المتخصصين في العلوم النفسية وغير المتخصصين فيها، فالإنسان نفسه يعجز عن فهم نفسه، فهو مزيج بين أشياء كثيرة متعارضة ومتناقضة، هذه الأشياء تتصارع فيما بينها لترى أمامك إنسان يحاول أن يتفق مع المجتمع والقيم من حوله.

كلنا يعلم أن الإنسان من روح وجسد، وكلاهما مختلف عن الآخر، الروح لها طبيعة مستقلة ومغايرة تمامًا للجسد؛ فالروح فيها سمو، فاقرأ قول الله تعالى للملائكة (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) أي أن الروح من طبيعة خاصة لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد جاء ذلك في قوله تعالى (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).

لذلك مما علمناه أن الروح لها غذاء مختلف تمامًا عن غذاء الجسد؛ التأمل والتدبر والأذكار والارتقاء إلى آفاق السماء والعالم الرحب، فالروح تلك التي تبحث عن القيم، وأما الجسد فهو المخلوق من طين أي من الأرض، وشتان بين السماء والأرض. وغذاء الجسد مرتبط بالماديات، حيث أن ما يغذي الجسد الطعام الذي أساسه من الأرض، وذلك الجسد لديه رغبات ومتطلبات، تدفع الإنسان إلى الحركة في الحياة للحصول عليها، ومنهم المتزن في ذلك ومنهم من غلبته روحه ومنهم من غلبه جسده.

والروح تعبر عن الجوانب المعنوية للإنسان، وكثير من الناس تحركهم الأمور المعنوية إلى القيام بعظائم الأشياء، فكلما تغذى الجانب المعنوي لدى الإنسان كلما ارتقت روحه وتلألأت، لذلك كان للحب الصادق أثر في تغيير سلوكيات الكثير من البشر، فهذا الحب جعل روحهم تسمو وتعلو وتحقق المعجزات، فحب الأم لأبنائها كان محركًا لها لأن تقدم من نفسها إلى أولادها، وحب العدالة جعل الكثير من القضاة يضحون بمناصبهم وأموالهم في سبيل تحقيقها رغم أنف الظالمين والمتجبرين، وكل إنسان أحب شيئًا بصدق استطاع بفضل ذلك أن يحقق الكثير من الأشياء ذات الأثر الطيب والقيم على مستوى الحياة.

وأما الجسد فيعبر عنه بالجانب المادي، هذه الأشياء الملموسة في الحياة التي يسعى الإنسان إليها كي يشبع رغباته، ومنها الرغبة في جمع المال وإشباع الشهوة الجنسية والسعي للحصول على المناصب المرموقة.. وغير ذلك من الأشياء المادية.

لقد كان الإنسان في عصور الجاهلية يمارس شهواته الجنسية دون ضابط، بل كان في ذلك مثل الحيوان، لا تتوقف شهوته عند حدود معينة، بل كان منطلقًا فيها كلما أراد ذلك، وحتى أنه وقبل بزوغ فجر الإسلام كان للرجال نساء كثر، فمنهم من كان يتزوج الكثير من النساء غير ملكة اليمين كما نقلت لنا كتب التاريخ، وكان الرجل في الماضي يملك تطليق زوجته ومراجعتها إلى ما لا نهاية، فليس هناك تقيد بعدد طلقات معينة ولا قيود في المراجعة للزوجة المطلقة.

إن الباحث المتجرد المنزه عن الأهواء سيجد أن الإسلام ما جاء إلا برد كرامة المرأة وحفظ قيمتها، فقيد التعدد القائم إلى ما لا نهاية قبل الإسلام بأربع لا يجوز للرجل أن يزيد على ذلك، وجعل ذلك لضرورات وظروف يعلمها هو سبحانه وأصبحنا نلمسها في عصرنا الحالي في العديد من المدن التي تخشى على انقراض نوعها، وجعل المراجعة بشروط وقيود مما حدا بالرجال أن يحافظون على أسرتهم من الهدم.

هذه النفس البشرية المتقلبة التي تنطلق من حال إلى حال؛ فمن طاعة إلى معصية ومن معصية إلى طاعة ومن رضا إلى قنوط ومن قنوط إلى رضا لا يمكن أن نتعامل معها إلا إذا أمعنا النظر فيها وتدبرنا طبيعتها، وتعاملنا معها على أنها مخلوق يحتاج إلى التربية والتوجيه، فأنفسنا كأبنائنا تحتاج منا إلى عناء التوجيه والصبر حتى تكون نفسًا سوية لا تحركها الشهوات إلا في الاتجاه الصحيح الذي يكون مقبولًا دينًا ودنيا، نحتاج إلى أن نعوّد أنفسنا ونروضها على تخير الصواب وسلوك الطريق القويم.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى