ثقافة وفنون

الرواية العربية.. ولادة متعسرة من رحم الأدب

ولادة الرواية

منذ ولادة الرواية عالميًا خلال القرن السادس عشر بأوروبا وإلى اليوم، فإنها ماتزال تسيطر على الأدب، بل إن الجيل الحالي من الكُتاب الشباب يميلون كل الميل إلى الكتابة السردية الروائية، ويفصلونها على باقي الأنواع الأدبية الأخرى؛ لما فيها من متعة الكتابة قبل القراءة، ولكونها أيضًا تمتاز بتكسير كل القواعد التي تفرض الأنواع الأدبية الأخرى.

فنستطيع القول أن الرواية بكل أنواعها هي مستقبل الأدب، ومستقبل العالم في التنظير لقضاياه واهتماماته ومشاكله، ولن نجد بعد سنواتٍ من الآن بعض الأنواع الأخرى كالشعر أو القصة، ما لم نخلق جيلاً جديداً يحمل هَمّ هذه الأجناس وينقذها من الموت السريري.

معنى الرواية

عندما نتحدث عمومًا عن الرواية، فهي ذلك الفضاء الذي يتمطط ليشمل كل أنواع الأدب ومشاكل وهموم الحياة، ولا نكاد نجد نوعًا آخرًا من فنون الأدب قادرًا على ممارسة هذا الدور، فالرواية تجمع بين السرد والشعر والخطابة، والحلقة والسيرة والحكاية، سواء كان ذلك واقعيًا أو من الخيال.

وقد لا تنتهي بنهاية موضوعها أو عدد صفحاتها، ففي كل رواية تنتهي تولد أخرى من رحمها، ويجعلنا الكاتب أمام موضوع جديد يثير اهتمامه أو اهتمام الآخرين من أجل الكتابة، فهي لا تحمل معناها في ذاتها كما القصيدة الشعرية أو فن الخطابة، وإنما معناها يجتاح ويتخطى كل الحواجز الممكنة وغير الممكنة.

ولكن أغلب الدارسين يلهثون وراء نعتها بذلك الفن الأدبي الذي ظهر متأخرًا، واستطاع أن يتفوق على الجميع، فهي حديثة الظهور لكنها أطول من القصة، بل وتشمل القصة نفسها، فلم نعد نهتم بالقصة بقدر اهتمامنا بالرواية؛ كونها تتميز بسردها لمجموعة كبيرة من الأحداث بأسلوب نثري متداخل، يتداخل فيه التاريخي بالنفسي بالاجتماعي، ثم الثقافي والفني وغير ذلك.

كما أنها توظف شخصياتٍ خياليةٍ وقد تكون حقيقية، وقد تجري أحداثها بأماكن وظروف غريبة وخيالية، لكنها في الأخير تحمل هم قضية من قضايا المجتمع.

نشأة الرواية العربية

وأمام الإكتساح الكبير للرواية، وتفوقها على كل الأجناس الأدبية والشعرية الأخرى، سعت المجتمعات العربية العاشقة للشعر وفن الخطب والحكايات إلى الجري وراء الغرب؛ من أجل تقفي آثار هذا المولود الجديد، فالعرب رغم حضارتهم العريقة الضاربة في التاريخ، إلا أنهم لم يكن لهم السبق في كتابة الرواية، فكل ما دوِّن أو قيل شفهيًا كان لا يتجاوز الشعر أو الخطب.

لكن بعد الانفتاح على باقي الحضارات الأخرى، كالفارسية والهندية ثم الأوروبية، ستصبح لهم القدرة على تجاوز الشعر إلى النثر، فكان أول ما وصل العرب من النثر، تمثل في الأدب الهندي والفارسي من خلال حكايات “الف ليلة وليلة”، وغيرها مما وجدوه من كتب الأقدمين لهذه الحضارات، ومن هنا بدأ العرب مع أولى المحاولات من أجل الكتابة والثورة على الشعر، إلا أنهم لم ينجحوا في ذلك بالنظر إلى عدة اعتبارات دينية وأخرى سياسية.

لكن النشأة الحقيقة للرواية العربية، كان خلال القرن التاسع عشر، حيث التأثر بالرواية الغربية والحياة ككل، فبدأت الترجمة قبل الكتابة، بحيث نجد أن جل الأعمال الأدبية الغربية، من روايات وشعر ومسرح قد ترجمت إلى العربية، وبدأ التهافت عليها والإقبال عليها بشكلٍ كبير، بالرغم من الظروف الصعبة التي كانت تعيشها المجتمعات العربية، حيث الاستعمار والحروب.

لكن هذا التأثر الذي نتحدث عنه كان بشكلٍ مبالغٍ فيه خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، لكن هذا الانبهار سرعان ما تلاشى وأصبح متجاوزاً نوعاً ما؛ كون أن التراث العربي كان حافلًا بالعديد من الحكايات والقصص التاريخية والخيالية، التي كانت تروى في الأسواق والمجامع، لكن العرب لم يفقهوا إلى أن يسموه بمفهومه الحديث “رواية”.

ظل على الألسن تتناقله الأجيال، حيث ضاع جزء كبير منه بعد وفاة العديد من الرواة الذين أبدعوا في سرد حكايات السمار، والسير الشعبية، وقصص العذريين وأضرابهم، والقَصَص الديني والفلسفي، أما المقامات العربية فذات مقامٍ خاصٍ في بدايات فن القص والرواية في الأدب العربي.

واذا ما حاولنا الوقوف عند أولى المحاولات التي أدخلت الرواية الغربية إلى العالم العربي، فنجد أن المشارقة كانوا سابقين إلى ذلك، وخاصةً المصريين منهم ثم اللبنانيون فالسوريون؛ كونهم أكثر الناس قربًا من الحضارات الفارسية والأوروبية، وظهور المدارس والجامعات، حيث كانت أول محاولة لنقل الرواية الغربية إلى عالم الرواية العربية على يد رفاعة رافع الطهطاويّ في ترجمته لرواية فينيلون “مغامرات تليماك” 1867م، ولعلّ رواية سليم البستاني “الهيام في جنان الشام” 1870م، أول رواية عربية قلبًا وقالبًا.

الهوامش:

1- تطور الرواية العربية الحديثة، عبدالمحسن طه البدر، الطبعة الثالثة، دار المعارف، 1976م.

2- تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام، ابراهيم السعافين، دار المناهل، بيروت، 1987م.

3-تطور فن القصة اللبنانية، علي نجيب العطوي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1982م.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق