ثقافة وفنون

الرواية الأمريكولاتينية والتراث الصوفي، رواية الخيميائي نموذجًا

“اسمه سانتياغو ، كان النهار على وشك  أن ينتهي عندما وصل، مع قطيعه، إلى باحة كنيسة قديمة مهجورة، ثمّ أخذ عصاه و راح يوقظ النعاج”[1]

روايةٌ للكاتب البرازيلي باولو كويلو، تحكي قصة مغامرة، وبالأحرى سعي خلف حلم تكرّرت رؤيته عند بطل الرواية “سانتياغو”.

” سانتياغو” الاسم الذي أوحى لباولو كويلو بكتابة هذه الرواية، هو اسم الفتى في ” العجوز والبحر” THE OLD MAN AND THE SEA لأرنست همنغواي، الروائي الأمريكي الذي عُدّ من كتاب أطلقت عليهم جرترود شتاين اسم ” الجيل الضائع” LOST GENERATION.

في مقدّمة الكاتب باولو كويلو لسلسلة إصداراته بالعربية نلمح ذلك التعلّق بالأدب العربي، وبفكر التصوّف خصوصًا، وذلك في قصة أحد متصوّفي الإسلام الذين يسميه “حسن” وحواره مع أحد تلاميذه وهو على فراش الموت عمّن كان معلّمه؟، الأوّل: لصّ، والثاني: كلب، والثالث: طفل.

تبدأ الرواية بقصّة أسطورة نرسيس في كتابٍ لأوسكار وايلد، وحوار ربّات الغابات والبحيرة.

يرد ذكر الخيميائي وهو يمسك بالكتاب الذي لا غلاف له، ويقرأ تكملة الأسطورة بحسب أوسكار وايلد.

تحسّ أنّ خيطا متينا يربط بين بداية الرواية ونهايتها.

الانتباه لما لدينا وما حولنا:

قلّةٌ أولئك الذين يعرفون كيف يشكرون ويحافظون على ما لديهم من نِعَم، وفي الوقت نفسه يتمتّعون بما حولهم.

يمثّل البطل “سانتياغو” وهو راع إسباني صورة الرجل المغامر الباحث عن أجوبة لأسئلته الوجودية.

يبدأ نسج خيوط الرواية  من تحت شجرة في باحة كنيسة قديمة بالأندلس، حيث يستريح الراعي سانتياغو بجانب أغنامه، مستندا إلى كتاب، وحيث راوده الحلم الذي ظلّ يراوده طيلة الأيام الماضية، لكنّ التفكير بالفتاة ابنة التاجر الذي جزّ صوف أغنامه السّنة الماضية، والتي سيكون في مدينتها بعد أيام أنساه التفكير بالحلم، وظلّ يفكّر بإجابة على سؤالها له العام الماضي: إن كنتَ تعرف القراءة فَلِمَ لستَ سوى راعٍ؟ ، وكيف سيحكي لها قصّة خروجه من منزل العائلة، وقراره أن يكون راعٍ بدلا من أن يصير راهبا كما تمنّى أبوه.

الجواب وقتها كان أن يحقّق حلم حياته الكبير، وهو السّفر، لكنّه تساءل وهو ينظر إلى الشمس البازغة: كيف يمكننا أن نبحث عن الرّبّ في المدرسة الإكليريكية؟

وتذكّر أثناء سيره أنّ بالمدينة التي يقصدها لجزّ صوف أغنامه، ولقاء فتاة أحلامه، عجوزا غجرية تجيد تفسير الأحلام، وسيسألها عن الحلم الذي راوده.

كان الحلم أنّ الراعي شاهد طفلًا يلهو مع أغنامه، وفجأة يمسك الطفل بيده ويقوده إلى أهرامات مصر ليقول له: إذا جئت إلى هنا فستجد كنزًا مخبوء، وفي اللحظة التي عمد فيها إلى تحديد المكان يستيقظ الراعي، ويحدث ذلك في كلّ مرّة يرى فيها الحلم.

ترفض العجوز أخذ ثمن الاستشارة، وتطلب منه بعد قراءة كفّه أن يكون لها عشر الكنز في حال عثر عليه.

يضحك الفتى  منها، ويفرح بتوفيره مال الاستشارة، لكنّها تجعله يقسم على إعطائها عشر الكنز مقابل تفسير الحلم، ويقسم فعلا، فتقول إنّ عليه الذهاب إلى الأهرامات، وهناك سيعثر على الكنز، لكنّه يسألها ماذا يفعل ليصل إلى مصر؟، فتقول أنّ مهمتها تفسير الأحلام لا تحقيقها.

يغادر الفتى العجوزَ عازما على عدم الاعتقاد بالأحلام مرة أخرى.

أثناء جلوسه منتظرا دور أغنامه في الزّج، يعمد إلى قراءة كتاب، لكنّ رجلا عجوزا يجلس بجانبه ويصرف انتباهه عن قراءته، سائلا إياه عما يقرؤه، ثم يأخذ الكتاب منه، ويتصفّحه، معلّقا أنّه كتاب مملّ، وبطله كغيره ممن يخادعون أنفسهم بخديعة القدر عندما لا يريدون تتبّع أحلامهم وتحقيقها.

يلفت انتباه الفتى زيُّ العجوز الذي يوحي بأنّه عربي، كما توحي بذاك ملامحه، فيسأله من أين هو؟، يردّ : من عدّة أماكن، لكنّ الفتى يقول: لا تستطيع أن تنتمي في النهاية إلا إلى مكان واحد، فما هو؟، فيجيب: أنا من سالم، ولأنّ الفتى لا يعرفها، يسأله مرّة أخرى: وماذا تفعل في سالم؟، فيجيب العجوز: أنا ملك سالم.

عندما يملّ الفتى من حديث العجوز ويهمّ بالمغادرة، يقول العجوز: أعطني عشر القطيع، وسأدلّك على طريقة لتبلغ مكان الكنز المخبوء.

يَعْجَب الفتى من حديث  ملك إلى راع، وبعد حديث طويل: قال الفتى للملك ملكي صادق: ألا ترضى بعشر الكنز؟ فردّ العجوز: لا تعد بما لم تحصل عليه بعد، وإلا فقدت الرّغبة في الحصول عليه، واتفقا على أن يمنح الفتى الملك عشر القطيع على أن يدلّه على طريقة لبلوغ الكنز.

افقد لتجد أو مبدأ التخلّي:

بعد تخلي الراعي عن عشر القطيع، وبيعه الباقي لبدء رحلة أخرى نحو طنجة، قارةٌ أخرى ولغة جديدة، وثقافة جديدة، مختلفة عما تركه على الضّفة الأخرى، يتعرّف على تاجر بلور ويعمل لديه بعد  تعرّضه لخديعة لصّ سلبه ما كان لديه من مال، وبعد جمعه المال الكافي لقاء اعمل لدى بائع البلور، يرحل مع قافلة تجاه مصر، وفي القافلة يقابل إنجليزيا يبحث عن خيميائي يستطيع تحويل الرصاص إلى ذهب.

بسبب الحرب تلجأ القافلة لأهل واحة مسالمة، لكن الفتى يرى حلما ويفسّره أنّ الواحة المسالمة سيُغار عليها، وفي الوقت الذي يُتّهم فيه بزرع الفتنة من قبل بعض رجال الواحة،

فيُذكِّر قائد القبيلة وزعيمها  قومه بقصّة يوسف عليه السلام، ويشبّه الغريب سانتياغو في واحتهم في غربته، بغربة يوسف في مصر، وتفسيره الرؤيا، وتصحّ نبوءة الراعي فيجازى على فعله، لكنّ الخيميائي يظهر له ويلومه على مواجهة القدر، لكنّ الفتى يجيبه أنّه إنما أنصت للغة الكون وأوصلها، وأثناء بقاء الراعي في الواحة يقع في حبّ فاطمة، لكنّها تحثه على السير خلف حلمه الذي جاء في الأصل لأجله، وأنّها كعربية بدوية اعتادت كباقي النساء الانتظار، إما للرجل المحارب دفاعا عن شرف، أو لجلب قوت، وأنّها تستطيع انتظاره كما تفعل غيرها من النساء في الواحة.

 

الرواية الأمريكولاتينية والتراث الصوفي

 يسير الفتى والخيميائي عابرين الصحراء.

لقد قاده السير خلف حلمه إلى التخلّي عن أهله، ثمّ عن نعاجه، ثم فقد ماله، وها هو الآن يترك حبّه راكضا خلف المجهول، تاركا فاطمته خلفه، بعدما صارت بنظره أثمن من كلّ كنز، فيخاطبه الخيميائي أن الحبّ لا يمنع رجلا من متابعة أسطورته الشخصية، لكن إذا حصل ذلك، فلأنّ هذا الحبّ ليس بالحقيقي، الذي يتكلّم لغة العالم.

لغة احتاج فيها للصّمت والتأمّل، فقادته عندما وقع و الخيميائي أسيري حرب إلى أن ينصت للطبيعة ويحادثها، ليتوغّل في روح العالم، ويدرك أنّها روح الله، وأنّ روح الله فيه، فيذكّرنا بقوله تعالى:((ونفخت فيه من روحي)).

بعد إطلاق سراحهما يتجهان إلى دير حيث يري الخيميائي الفتى كيف يجعل من قطعة رصاص قطعة ذهب، ويفترقان على وقع حكاية يحكيها له الخيميائي، بعد أن يهبه ربع القطعة الذهبية ويأخذ الربع، ويهب الراهب الربع لقاء خدمته الحجّاج، ويترك له الربع الباقي ليعطيه للفتى في حال احتاجه، مذكّرا إياه أنّ مقولة أهل الصحراء أنّه يمكن إن خدعت مرة ألا تخدع اثنتين، لكن في حال خدعت مرّتين فانتظر الثالثة.

ويكمل الفتى سيره نحو أهرامات مصر، وبينما هو على مشارفها همس صوت: أن انتبه للمكان الذي ستبكي فيه، فثمّ سيكون كنزك، لقد وصل إلى الأهرامات فجثا باكيا، لأنّها صارت حقا أمامه، وقبل أن تتم فرحته فاجأه رجال ملثّمون، وطالبوه بما معه، وبالحفر بعدما وجدوا قطعة الذّهب لديه، فلما لم يعثر على شيء أبرحوه ضربا حتى شارف على الموت، وخاطبه زعيمهم:” لن تموت، ستعيش وتتعلّم أنّه لا ينبغي لنا أن نكون على هذه الدرجة من الغباء، هنا بالضبط حيث تقبع أنت رأيت حلما قبل سنتين تقريبا، غير مرّة، حلمت أنّه عليّ أن أسافر إلى إسبانيا وأبحث في الريف عن أطلال كنيسة يتردّد إليها الرعاة، ليناموا فيها مع أغنامهم، فيها شجرة إذا حفرت تحتها أجد كنزًا، لكنّي لست يهذه الدرجة من الغباء، لأجتاز الصحراء بكاملها لمجرّد حلم رأيته”[2]، وهنا ابتسم الفتى للأهرامات وقفل راجعًا إلى نقطة البداية،  إلى الشجرة ليحفر تحتها ويجد الكنز، ويعطي الغجرية العشر، وينهي الرواية بقوله :انتظريني أنا آت يا فاطمة.

أبو مدين شعيب، سلمان الفارسي و سانتياغو: ما الذي يجمعهم؟

ليس أبو مدين شعيب الملقّب بالغوث إلا واحدا من سلسلة من الشخصيات الحقيقية التي تمثل سيرتها تقاطعًا مع شخصية “سانتياغو بطل رواية الخيميائي، أغلبها شخصيات إسلامية، بداية من قصة الصحابي الجليل ” سلمان الفارسي” رضي الله عنه،مرورًا بأعلام التصوّف، خاصة أبو مدين شعيب الذي ترجع أصوله إلى إشبيلية[3]، فكلاهما ولد وعاش بالأندلس،[4] رغم أن أبا مدين وسلمان الفارسي  شخصيتان حقيقيتان تاريخيًا، فهل يمكن أن تكون سيرتهما  هي ما ألهم الكاتب لإبداع عمله؟

“كنتُ بالأندلس يتيما، فجعلني إخوتي راعيًا لمواشيهم، فإذا رأيت من يصلّي أو يقرأ القرآن أعجبني و دنوتُ منه، فأجد في نفسي غَمّا لأنّي لا أحفظ شيئًا من القرآن و لا أعرف كيف أصلّي، فقوِيتْ عزيمتي على الفرار لأتعلّم القراءة و الصلاة، ففررت” أبو مدين شعيب الغوث[5].

تؤكّد المصادر التاريخية الإسلامية على أن سلمان الفارسي فيما حدّث عن نفسه، كان من أهل أصبهان، و كان أبوه دهقان (رئيس) قريته، و كان هو أحبّ خلق الله إلى أبيه، حبّا بلغ به مبلغا جعله يحبسه، فانشغل عنه يوما لأمر، و كلّفه بالنظر في أمر بستان له، فكان ذلك سببا لهربه باتجاه محطات كثيرة ، إحداها تلك التي تخلى فيها عن غنمه و ما يملك في سبيل معرفة الحقيقة، حقيقة بعثة النبي محمد صلى الله عليه و سلّم.

عندما نبحث في المرجعيات الفكرية التي استثمرها باولو كويلو في روايته نجد في مقدّمتها فكر التصوّف الإسلامي، والفلسفي خصوصا القول بوحدة الوجود عند ابن عربي، والتاريخ المتعلّق بالمقدّسات(أورسالم/ القدس) وشخصيات عربية الملامح، والأسماء العربية كفاطمة، وملكي صادق ملك سالم، وقصص قرآنية كقصّة سيدنا يوسف عليه السلام، وسيدنا إبراهيم وتأمّلاته الكونية.

إضافة إلى الأماكن والاتجاهات المتعلّقة في الغالب بالشرق العربي خاصة، طنجة، مصر، الأهرامات، مكة، والكلمات العاكسة للفكر العربي، من ذلك قول التاجر الذي اشتغل عنده: ينبغي أن تولد عربيًا لتعرف معنى المكتوب.

ولا يقف الأمر عند التراث العربي، بل يتعدّاه إلى التراث العالمي، من ذلك الأساطير اليونانية، في مقدمتها أسطورة نرسيس، وقصصًا تتعلّق بأماكن ذات أبعاد دينية مسيحية كروما، وأخرى تتعلّق بأفكار المهاتما غاندي حيث تذكرنا عبارته روح العالم روح الله، بعبارة المهاتما روح الحقيقة ” ساتياغهارا”.

من أجمل الحكم المبثوثة في الخيميائي:

  • السفينة آمنة على الشاطئ لكنها ليس من أجل ذلك صُنِعت.
  • حيث يكون كنزك يكون قلبك.
  • ذات ليلة قال الفتى للخيميائي وهما يتأمّلان سماء لا قمر فيها:
  • إنّ قلبي يخاف أن يتألّم.
  • قل له إنّ الخوف من الألم هو أكثر سوءا من الألم ذاته، وما من قلب يعاني الألم وهو يلاحق أحلامه، لأنّ كلّ لحظة سعي هي لحظة لقاء مع الله ومع الأبدية.
  • إنّ الحياة في الحقيقة سخية مع من يعيش أسطورته الشخصية.

[1]   باولو كويلو، الخيميائي، ترجمة:جواد صيداوي، شركة المطبوعات للتوزيع و النشر، بيروت/ لبنان،ط6، 2008م، ص17

[2]  باولو كويلو ، الخيميائي، ص 181

[3]   أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم التميمي الفاسي، المستَفاد  في مناقب  العبّاد، بمدينة فاس و ما يليها من البلاد، تحقيق: محمد الشريف، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي، تطوان/ المملكة المغربية، القسم الثاني، ص41

[4]  عبد الحليم محمود ،  شيخ الشّيوخ أبو مدين الغوث حياته و معراجه إلى الله ، دار المعارف، القاهرة/ مصر، 1985م،ص 24

آمنة عيساوي

أستاذة لغة عربية عاشقة للكتب طالبة دكتوراه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى