سياسة وتاريخ

الرهان الخاسر مقدمًا

بعد فترة من الهدوء الحذر بين الجارين اللدودين تركيا واليونان، عاد التوتر ليتصدر المشهد ويجر معه لاعبين لا علاقة لهم بالصراع جغرافياً أو تاريخياً أو حتى اقتصادياً وذلك بدخول الإمارات وفرنسا على خط الأزمة مكايدة في حكومة العدالة والتنمية لا بحثاً عن مكاسب ولا درءًا لأخطار لكن وكما عادة الحكومة التركية وجهت التحذيرات شديدة اللهجة للأطراف المتآمرة حتى لا يتعدى أي منها حدوده.

جاء التحذير على لسان نائب الرئيس التركي فؤاد أوكتاي الذي أكد أن من يعتقد أن تركيا ستترك حقوقها في شرق المتوسط فهو مخطئ، وجاء الرد عملياً بتنظيم البحرية التركية مناورات في شرق المتوسط وكذا منع الطيران التركي طائرات يونانية من التحليق في موقع سفينة مسح زلزالي تركية مجبرة تلك الطائرات على العودة من حيث جاءت، فيما ردت اليونان بتنظيم مناورة مع الإمارات كتحذير لتركيا من أي تصرف عدائي في المناطق اليونانية شرق المتوسط.

لكن التحريض الأكبر جاء من فرنسا، فقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه وضع خطوطاً حمراء لتركيا في البحر المتوسط ناعتاً الأتراك بمن يفهمون الأفعال لا الأقوال خاصة بعدما أرسلت باريس فرقاطة في البحر المتوسط دعماً لأثينا ليس هذا وحسب بل ضغطت باريس على الاتحاد الأوروبي ليعلن دعمه لليونان العضو فيه ضد ما أسماه الاستفزازات التركية وتلويح الاتحاد بفرض عقوبات على أنقرة ما لم تتوقف عن أفعالها الاستفزازية.

سيتفهم القارئ النزاع الذي يتجدد بين اليونان وتركيا بين حين وآخر لأسباب سياسية واقتصادية وتاريخية،لكنه بالتأكيد سيستغرب من دخول فرنسا على الخط فلا فرنسا تتشاطئ مع تركيا لتشعر أن حصتها مهددة ولا مصالح اقتصادية تربط باريس وأثينا خاصة مع إفلاس اليونان منذ عدة أعوام فما الذي يدفع فرنسا لتقحم نفسها في هذا الملف الملتهب؟وماذا ستجني من تصرفها هذا؟

منذ صعود ماكرون للسلطة في مايو 2017 وهو يدبر المكائد تلو الأخرى للنيل من الحكومة التركية المنتخبة، فلا ينسى المسؤولون الأتراك أن سيد الإليزيه استقبل أفراداً من وحدات حماية الشعب الكردية ربيع 2018 بالرغم من معرفة فرنسا بحساسية الملف الكردي لدي تركيا كما قاد الرئيس الفرنسي حملة لوقف دعم الدولة للمساجد التي بنتها تركيا في بلاد الغال بزعم تبنيها النهج المتطرف الذي يهدد السلم المجتمعي في فرنسا.

تصادم الطرفان بالوكالة في ليبيا عبر دعم تركيا لحكومة الوفاق ووقوف فرنسا بالقض والقضيض وراء حفتر،لكن الصفعة التركية كانت في غاية الإيلام للفرنسيين للدرجة التي أفقدت رئيس القوة الاستعمارية السابقة لتهديد الحكومة الليبية الشرعية بزعم دعمها للإرهاب ومحاولة وصم حكومة تركيا باحتلال ليبيا بالرغم من عقدها اتفاقية مع الحكومة الليبية المعترف بها دولياً أقرتها الأمم المتحدة.

يراهن ماكرون على الحصان الخاسر بدعمه لليونان ومنحه الإمارات الضوء الأخضر لتمويل المؤامرات المتتالية لإعادة تركيا لحقبة الانقلابات ومن ثم تطويعها لتحقيق مخططات الغرب، لكن تركيا اليوم ليست تركيا القرن العشرين وسترد الصاع صاعين وعشرة لكل من يريد إلحاق الأذى بها.

اقرأ أيضًا :

الوباء السياسي في تونس باقٍ حتى لو رحلت الجائحة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق