أسلوب حياة

الرغبة و الإرادة نحو تحقيق السعادة

لنعرف العلاقة بين الرغبة و الإرادة و السعادة، كان لازما علينا أن نعرف بالدرجة الأولى كل هذه المفاهيم كلا على حدة، لكن الإشكال الذي سنواجهه في تعريف هذه المفاهيم هو أننا لن نجد تعريفا موحدا لكل هذه المفاهيم من الناحية الفلسفية، و يعود ذلك إلى الإختلاف الذي يوجد بين الفلاسفة، فمنهم من يرى المفهوم بصورة معينة بينما يراها البعض فيهم بشكل مغاير و مخالف.

فالرغبة و الإرادة رغم اختلافهما، فيمكن القول أنه ذلك الشعور الذي يشعر به الإنسان داخليا بأنه يريد فعل شيء معين، أما السعادة فهو الشعور الذي يحس به الإنسان عندما يصل إلى مستوى معين يحقق فيه ذاته.

أما الآن فيمكننا أن نقارن بين التصورات الفلسفية بين تلك التي ترى أن الرغبة تحقق السعادة و بين الذين يرون أن الرغبة لا تحقق سوى الألم و الضجر؛
فنبدأ بالفلاسفة الذين يرون أن الرغبة تحقق السعادة؛ و من أبرزهم أبو الفلسفة الحديثة ديكارت الذي عرف الإرادة بكونها قدرة الإنسان على فعل شيء معين أو عدم فعله، و يقول: ” إن الحرية أساس الإرادة، و حرية الإرادة تأتي من تجربتنا الشخصية لها ” و هو لا يرى أبدا أن الإرادة لا تحقق السعادة مهما ربط الإرادة بالحرية فلن يكون مفهوم السعادة إذن إلا مكملا لها.

أما عند رائد الفلسفة التشاؤمية شوبنهاور فيرى أن الإرادة لا تنتج إلا عن الحرمان و الحاجة إلى الشيء الذي نريده، فلو لم نكن محتاجين لذلك الشيء الذي نريده لما كنا راغبين في تحقيقه، ومن هذا المنطلق جعل شوبنهاور الإرادة شيئا غير منته أبدا و هذا ما عبر عنه بقوله: ” الإرادة عطش لا ينطفئ “، و بالنسبة له فإن الرغبة لا تحقق الإشباع و إنما نتأرجح من خلاله بين شيئين لا ثالث لهما و هما الألم و الضجر، فإذا أردنا أن نحقق شيئا ما فإننا نحس بالألم، و عندما نحققه نحس بالضجر و لا نعتبر ذلك الأمر الذي طالما كنا نريده شيئا مهما، ونسعى عوض ذلك إلى تحقيق أشياء أخرى و نبقى ندور في نفس الدوامة بين الألم و الضجر كما تدور عقارب الساعة بين اليمين و اليسار على حد تعبير شوبنهاور و أضاف أن الإرادة اندفاع أعمى و جهد متواصل و يتوهم فيه الإنسان التمتع و السعادة و الحال و الواقع عكس ذلك . و استنتج في الأخير علاقة جامعة بين الإرادة و السعادة بقوله”الإرادة تجعل السعادة الحقيقية مستحيلة ” و السعادة الحقيقية بالنسبة لهذا الفيلسوف الواقعي تكمن في القناعة، فما دام الإنسان قنوعا فإن هناك إحساس بداخله بأنه حقق الإشباع و أنه لايحتاج لأي شيء ، و السعادة ستتحقق لديه ما دام لا يشعر بالخصاص.

و لنتأمل هذه العبارة الأخيرة و نتذكر ما أوصانا به ديننا الإسلامي الحنيف “القناعة” و ندرك أن السعادة ليست وراء اتباع الحاجات التي تجعلنا ضعفاء أمامها و إنما هي في الاكتفاء يالقناعة بأمور بسيطة في شكلها و عظيمة في مضمونها.

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى