سياسة و تاريخ

الرضيع المناضل

إذا صرخ الرضيع، علمت أمه ما يضره، ما يزعجه، وما ألم به، هل يصرخ من جوع، أو من عطش، أو يطالب بتغيير حفاظاته، وإن كان الأمر مبهما، غير مفهوم للأم وفوق استطاعتها، أيقظت الأب لتدارك الأمر، فيأتي الوالد بقراره مهدئا من روع الأم، وبقوة الإمكانيات، يأتي الرضيعَ بدواء، أو يحمله الى مشفى.

الصراخ إنذار واستشعار، أودعه الله عز وجل في الرضيع تداركا للأمر قبل وقوعه، إنه سنة حياة تعارفنا عليها، إنه وسيلة تعبيرية يعبر فيها الرضيع عن احتياجاته، عن مطالبه، إنها بحق أول وسيلة تمنح للإنسان حق التعبير في هذه الحياة، حق المطالبة بحقوقه، فالرضيع أكثرنا استيعابا وفهما للعقد الذي جمع بين والديه، فهو بناء على ذلك العقد، يطالب بحقه في الرعاية والحرص والحماية عن طريق آلية الصراخ، هذه الوسيلة الفعالة صرنا نحرم منها في تعاملنا مع أمنا الكبيرة، الدولة، هذه الشعوب النامية الرضع، خوفا من عند أنفسها أو جهلا، أو قمعا وتسلطا من لدن سلطة تغلق الافواه والصرخات عنوة، صارت تكتم تلك الشعوب المسكينة صرخاتها، فلا يُسمع لها الا أنين خافت، وهمهمات لا يُفهم معناها.

أيتها الشعوب، محرومة انت من إعادة ديناميكية الصراخ التي وجدت فيك، مذ كنت رضيعة، أصرخي ملء فيك كي ينتبه مسؤولوك، أصرخي لتغيير مسؤول أزكم الأنوف بفساده، أصرخي من جوعك، من حرمانك، من عطشك، أصرخي كي يُعرف ألمك، أصرخي كي تعلمين وتجربين وتمتحنين حب والديك حكومة ونظاما، هل يحبانك فعلا، أم أنك ولدت سفاحا، وان زواج النظام بالحكومة زواج متعة، جئت فيه في ظرف خاطئ، وولدت فيه بغير عقد شرعي؟

امتحني قيمتك لديهم، فانت لا تطالبين بالحكم كي ترعبهم صرخاتك، انت فقط تطالبين بحقك الطبيعي، لا تطالبين إلا بحنان وحب ورعاية. فهل هذه امور تستعصي على مسؤوليك؟ كيف سيعرف هؤلاء آلامك ان لم تصرخي وتعبري، الصراخ حق طبيعي لك…

قد حان دور المسؤولين الآن لإثبات أبوتهم وأمومتهم الشرعية لشعوبهم، لا تجعلوا شعوبكم تشك أنكم مجرد خدم استبدلت بليل، والا فان الغضب سيخرج عن سكته مطالبا بدمائكم، لتحرّيها ومعرفة أبوتكم وأمومتكم الشرعية.

دعوا الرضع تصرخ وغيروا حفاظات كباركم قبل تغيير حفاظات الصغار، فروائح الفساد ما عادت تترك للرضيع نوما هانئا. لا تتركوا انفسكم في مقام تعلمكم فيه الدول الأخرى كيف تكونوا آباء وأمهات صالحين، فالدول جيران حولكم تترقب، وتطلع على عوراتكم، وبين الجيران عيون زائغة ستغازل نساءكم في غفلة، وان لم تكونوا رجالا تقدرون المسؤولية التي بين ايديكم، ستجدون دولتكم يوما ما في حضن الغريب، تتغنج، ورضيعكم هناك يصرخ صرخات تلو الصرخات، حتى اذا ما رأى ملك الموت ان لا رحيما بين العباد، سيشفق على الرضيع الصارخ، أتاه بحنو واخذ روحه بين يديه، ليريحه من عذابه، وليريحه من والدين لم يقدرا العقد المقدس الذي بينهما، حينما تموت الشعوب الرضع صارخة على أرصفة الطرقات مدرجة بدمائها، فاعلم انه الإعلان بسقوط الدولة، فهل انتم منتهون؟
اسمعوا وعوا صرخات شعوبكم قبل فوات الأوان، فهي السبيل لإنقاذ الدولة، ولتصموا آذانكم عن من يريدون بأوطانكم سوءا، كونوا آباء صالحين يكونوا لكم ابناء بارين وطنيين.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق