مدونات

الرجل والمرأة: نجم يخبو وأرض تتمرد

النجم الأقرب أو ما يصطلح عليه الشمس، تجده ماثلاً وحيدًا تتداور عليه جموع من الكواكب، كأنه زوجها الوحيد الذي تتهافت عليه الأراضين ليجود عليها بنور به ليجعل لها تاريخًا، ليلاً ونهارًا، وفصولاً وسنوات، وقرونا تتعاقب.

لو تأملنا الصورة السابقة وتأملنا الإنسان برجاله ونسائه، لوجدناها الصورة نفسها تصاغ بقالب آخر، قالب إنساني يتناغم مع المحيط الكوني وينسجم، قالب لا ينبغي له أن يختل، لان الله عز وجل خلق كل الخلائق وفق نظام دقيق مترابط، لا يهدف إلى الإخلال به إلا أحمق متهور.

فهذا الرجل هو كمثل ذلك النجم الذي يشرق على امرأته بنوره وناره، نور هو الحب في أسمى معانيه، يلهب حماس فؤاد المرأة فيجعل تاريخها يبدأ لاستقبال الوافد الجديد، وتهييئ أرضها له، فيشرق لب الرجل ليبدع شعرًا وأدباً وخيالاً وغناءًا.

تتناغم معه المرأة فتفتح أرضها وتُنبت، فتخرج للوجود ربيعاً من عواطف، وزهرًا من الأحاسيس، وربى من الفن والذوق الرفيع، لينتج عن هذا كله عواصف لا تهدأ إلا باللقاء، وينشأ التناغم، والبحث عن التكامل والاستمرار بين الذاتين، فيزيد النجم حره، ويتحول نور الحب رويدًا إلى نار من الشهوة، تأتي بماديتها لترسخ ذلك الحب الروحاني اللامرئي، ترسخه واقعاً مادياً، قد ينبت ثمرة أو ثمرات هم البنون الضامنون لاستمرار الجنس الإنساني.

ولأن نار الشهوة أكّالة مفسدة إذا تركت دون قيد، فهي تمامًا كالنار المحيطة بنا، إن تركناها دون مراقبة أكلت الكل أكلاً، وإن حصرنا وجودها في مواقدنا نفعت وأنضجت وصنعت؛ لهذا وجد الزواج، الذي شرعه الله عز وجل لتكون نيران شهواتنا نافعة للمحيط، لا أكالة مفسدة له، فالحب معنى سام غير مُقيد، لكن حينما يتحول نوره نارًا، تنتج عنها نتائج، فلا بد شرعًا من تأطيره وحصر نار الشهوة بما ينفع العباد والبلاد.

صار لزاماً علينا خوض هذه المواضيع، لتبيان الأمور في عالم اختلطت فيه النار بالنور، فأصبح كل شيء مباح دون تأطير شرعي ولا قانون، مجتمع تأثر بداروين وفرويد، وهمّ بجعل نفسه كالحيوان، يداريه في فوضاه الجنسية، ويقارعه في لا تنظيمه الأسري، ويساويه في التفرد وحب الذات ونبذ الجماعة.

وبذكر فرويد، فإننا في سياق هذه المقالة نضرب أطروحته القائلة بأن الجنس يفسر كل شيء، فليس الجنس من يفسر كل شيء، بل سلوك الإنسان هو ما يفسر كل شيء، فسلوك الإنسان كان تاماً يوازن بين نور الحب ونار الشهوة،حيث كانت العلاقة الإنسانية منذ بدأ الخليقة إنسانية بالمفهوم الشامل، مفهوم يوازن بين نور الحب السامي ونار الشهوة الدنية، تلك النار التي من خلالها يتدخل الشيطان بمكنونه الناري الأعرف بها ليوسوس لك، ويزيدها لهيبًا وهيجانًا، فتؤثر عليك وتؤدي بك إلى انتقاص سموك النوري، لتجعل النار قائدة لك.

هذا الأمر هو الذي أدى بآدم إلى المعصية، فشهوة الخلد والفضول وحب الاستمرار، ضخمها الشيطان بصورة جعلت آدم يختل في موازنته بين السمو الروحي والمطلب الجسدي المادي، فما كان إلا أن عصى ربه، ولإن الجنة خلقها الله عز وجل لتكون مرتعًا جاهزًا لكل متوازن في ذاته، دون أن يخوض هماً ولا غماً ولا تعباً في تحصيل نعمها، كان على آدم مغادرتها إلى أرض التجريب، والفضول والمعرفة، لإنه أراد ذلك عن خطأ وسذاجة، واختار النزول إلى أرض جسده، لا البقاء في منطقة وسطى بين سمو الروح وشهوانية الجسد.

هبط آدم وكان بنوه، ومن يومها ونحن نناضل للعودة إلى تلك الجنة، التي يقتضي الوصول إليها أن تكون متوازنًا في ذاتك، بين نور الحب ونار الشهوة، وحينما نقول نور الحب نعني بها الحب بمفهومه الشاسع الواسع لا المفهوم المصغر، أي حب الجنسين لبعضهم بعضًا، فحب الله عز وجل هو تمام الحب وميزانه، وحب رسله ودينه وخلائقه وذوي القربى، وحب الخير لأخيك ولمجتمعك ولوطنك، كل هذا حب يزرعه العلي القدير في ذاتك، عن طريق نور الروح التي أودعها فيك، لكن ما يجعل حبك يتناقص هو ميلك لنار الشهوة التي تجعلك تتأثر وتتكبر، وتحتكر، وتظلم، وتتعالى، إن أنت طاوعتها دون ضوابط وقيود.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق