مدونات

الرجل والمرأة: نجم يخبو وأرض تتمرد (2)

إذًا هبط آدم إلى أرض التجريب، وأضحى بنوه يتوارثون قيمًا ومكتسبات تتلاءم والوضع الجديد، قيمًا كانت نتاجًا لتفاعل نور الروح مع الواقع الأرضي الجديد، فكانت قيم كالتدبير مثلاً، وهي قيمة انبجست بين تفاعل خلق الكرم وصفة البخل، فالتوازن بين هاتين الصفتين يعطي قيمة مكتسبة أرضية واقعية هي التدبير، فالكرم بوصفه قيمة نورانية أصيلة، إذا تم اعتمادها بصفة موسعة دون تدبير أصبحت سفاهة وسذاجة، وكذلك البخل خلق ناري ذميم، هو نتاج شهوة حب الذات، فهذا الخُلق أرضي، إن تم تعميمه صارت هناك أمراض من الجشع والاحتكار والظلم.

وكي لا نتوه في موضوع القيم والأخلاق فهذا موضوع آخر، نعود إلى الأنسان الذي أضحى يتكاثر ويرسم لنفسه حدودًا، وأضحى هاجس الأرض يسيطر عليه، هذا الهاجس أثر حتى على علاقة الرجل بالمرأة لزمن طويل جدا، فأضحت المرأة تعبيرًا عن الأرض، لكونها ذاتاً تتقبل غيث الرجل فتعطي للوجود ثمارًا، هذا التشابه بين المرأة والأرض، جعل نفسية المجتمعات تتجه إلى امتلاكها بالموازاة مع امتلاك الأراضي، وهكذا كانت الملوك بالموازاة مع امتلاكهم للأراضي، يمتلكون العديد من النساء جوار في قصورهم، وأضحى حجم امتلاك الأرض وكثرة امتلاك النساء كافيًا لتقسيم الناس، هذا ملك يملك النساء والبلاد، وذاك سيد أو نبيل يملك أقل منه، وهذا عبد مملوك لا يملك حتى نفسه، فبالأحرى يمتلك أرضًا أو امرأة.

هكذا إذاً كان من يمتلك امرأة، كمن يمتلك أرضًا يحقق بها وجوده وحضوره، فمر زمن طويل يتعامل فيه المرء مع أنثاه كأنها أرض، وجب إخضاعها، وحتى في علاقته الحميمية كان كمن يحارب لقاء إخضاع تلك الارض – المراة-، فالعلاقة الحميمية كانت تعبيرًا على حرث الأرض التي بها يبرز الرجل للآخرين، أن هذه الأرض أو المرأة له وحده، وأنه اكتسبها حرثًا وسيثمرها نسلًا.

تدخلت الشرائع الدينية عديد المرات لتنظيم هذه العلاقة بين الرجل والمرأة، معتبرة أن المرأة ذات حرة مستقلة، وجب الإحسان إليها بالمعروف والمعاشرة الحسنة، وقد قيد الشرع مفهوم التعدد فجعله في الدين الإسلامي أربعة نساء، مقرونًا بالحرص على العدل، وهذا هو الأصل والقاعدة، مع بقاء الاستثناء وهو ما ملكت اليمين، وهو استثناء يزول بزوال ظروفه، ليبقى الأصل هو المؤطر الوحيد.

أسباب زوال الاستثناء المذكور واقعيًا، لم تبدأ ارهاصاتها في التهيؤ إلا مع أواخر القرن 18، ذلك إن فلسفة امتلاك الأرض اختلفت واختلت، ليس لأن الغربيين كما زعموا، كان لهم فضل في زوال نظام الرق وتلاشيه، ولكن لأن نظام الرق أو ما ملكت اليمين، أضحى يكتسي طابعًا جديدًا مرتبطًا بالإنتاج، فالزراعة التي كانت مسيطرة على الوضع المعيشي للأمم، أصبحت الصناعة محلها هي المؤطرة لكل العلاقات المجتمعية، وصار بالتالي امتلاك الأرض متجاوزًا، ولا يعبر عن سيادة حقيقية، وهو أمر أدى إلى سقوط الملوك والنبلاء، وحل محلهم البرجوازيون، سادة العالم الجدد، المالكون لوسائل الإنتاج، والذين أزالوا رداء الرق الإنساني واستبدلوه برداء الرق الآلي، بمعنى أن الإنسان غدا آلة مع مرور الوقت، آلة يتم تحديد أوقات إعمالها بقوانين مسطرة، لا حبًا في ذلك الإنسان وتمجيدًا لكرامته، بل لجعله قابلًا على العطاء أكثر فأكثر، فالآلة لا بد لها من راحة كي تنتج أكثر.

إذاً باستبدال مفهوم السيطرة على الأرض، أو السيطرة على المرأة بوصفها تعبيرًا عن الأرض، دخلنا في مرحلة أخرى وهي مفهوم السيطرة على الإنتاج، وتوفير مناخ الاستهلاك، وأضحت النظرة للأمور تتوارث قيمًا جديدة، فالجنس الذي كان تعبيرًا عن حرث الأرض وامتلاكها، والذي فيها يرسم الرجل مناطق حدوده، التي لا ينبغي للرجال الآخرين الاقتراب منها، صار في عصر الصناعة حركات ميكانيكية لا غير، لا تعبر عن امتلاك الأرض أو المرأة، أو تعبر عن قوة الإنسان ووجوده، بل صارت فقط محفزًا للإنتاج، قبل أن تصبح إنتاجًا هي الأخرى لجلب الأرباح -صناعة الأفلام الإباحية مثالاً-، لهذا كان لزامًا على الرأسمالية لتحقق أرباحها، أن تكسر الصورة النمطية بوصف المرأة أرض ثابتة محافظة تنتظر حرثها، فسعت الرأسمالية إلى تحرير المرأة لتجعلها تساهم في الإنتاج وتحفيزه، خاصة بعد الحربين العالميتين، حينها قل العنصر الرجالي، وصار على المرأة -الأرض- في الأمم الأوروبية أن تتحرك لتدارك النقص.

الآن، نحن نعيش ظروف أرض متحركة، مفرزة للزلازل المجتمعية، فالمرأة الثابتة المحافظة تحركت، وما عادت ترضى بوجود نجم واحد، ينير أرضها، ليعطي لها تاريخ الانطلاق، فذاك الرجل يخبو نوره ويبرد لفح ناره، وما عاد ذلك الرجل النجم بنوره الذواق وحسه الشاعري، ونار فحولته الذي ترى فيه المرأة سيدًا أسدًا لأرضها، وترى نفسها ملكة لقلبه،كما أن النظرة الميكانيكية للجنس، جعلته شائعًا، متاحًا مباحًا، تعززه ظروف تحفيز الإنتاج، وهذه النظرة أصابت في مقتل نور الحب السامي، فجعلته يتلاشى، ويتلاشى تميزه، خاصة مع بداية الألفية الثالثة، فأضحت المرأة لا تنظر إلى الرجال إلا جموعًا من الآلات الخالية من الحس والذوق، وارتأت اجتهادًا من لدنها، أن تبحث وتجرب بين تلك النجوم الخامدة، التي لم تعد تنير طريقها، ولمّا لم تجد، صارت هي من تريد أن تصبح نجمًا مشتعلاً منيرًا، فأحرقت ذاتها، وتلاشت أنوثتها، وفي خضم التجريب تولد ثمار من لقطاء، ويتسع الطلاق ليصير موضة، فتضيع أسر ومجتمعات وتنحل دول.

أخيرًا أقول، حتى وإن حاولتِ أن تصبحي نجمًا منيرًا أيتها المرأة، فاعلمي أنكِ حينما تصبحين لن تجدي أرضًا تنيرينها، لأنك أنت الأرض، ونجوم الرجال من حولك تخبو بتحركاتك وتمرداتك وزلازلك، وحينما يخبو الرجال لن تجدي من تنيرين إلا رمادًا تذروه الرياح، فالرجل خلق ليكون نجمًا، لا أرضًا منتجة، وحينما يخبو يموت عنصره، وتموتين حتمًا من بعده، فالتاريخ تكتبانه معًا، فالرجل القلم وأنتِ الكتاب، وبدونكمًا معًا لا تكون كلمات تتعاقب، ولا تراث يُتغنى به، ولا أجيال تتفاخر باجدادها وترنو نحو الاستمرار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق