سياسة وتاريخ

الرجل الذي قاد الملك فاروق إلى الهاوية

في مساء يوم من أيام فبراير عام 1946، وعلى جسر قصر النيل بالقاهرة، اصطدمت شاحنة عسكرية إنجليزية بسيارة تابعة للقصر الملكي، وأسفر الحادث عن إصابة شخص وموت آخر، المصاب كان سائق الشاحنة، وأما المتوفي فهو أحمد محمد حسنين (باشا) رئيس ديوان الملك فاروق.

ربما لم يكن أحد، ولا حتى حسنين (باشا) نفسه، يتوقع أو يتخيل نهاية بهذا الشكل العبثي، بعد حياة حافلة بالمغامرات والأخطار في الصحراء وقيادة الطائرات، تكون النهاية هكذا.. في حادث سيارة عارض، ذات يوم بارد وماطر!

ولعل عبثية مشهد نهاية الرجل القوي في قصر الملكي، والذي استطاع “ترويض” كل الوحوش والذئاب داخله وخارجه، كان السبب في ظن البعض أن الحادث كان مُدبراً من “أحدهم” للتخلص من الباشا، وقد وصلت الظنون إلى الملك فاروق نفسه، حيث كان -رغم اعترافه بفضل حسنين باشا وأهميته الكبرى في نظامه منذ بدايته- إلاّ أنه كان يمتلك أسباباً قوية تدفعه للتخلص من “رائده”، هذا إن صدقنا الشائعات!

من بين كل الذين حَزنِوا – أو تظاهروا بالحزن- على وفاة الباشا تبقى “نازلي” (زوجته بعقد عرفي، أو عشيقته) هي أكثر شخص اغتّم وتشاءم من رحيله المفاجئ، فهي تعرف ابنها جيداً وتعرف أنه بدون رائده ومعلّمه لن يبقى طويلاً على العرش، وهو ما كان بالفعل، وربما كانت تعرف أنها كذلك بدونه سوف تعيش أياماً وسنيناً لا لون لها ولا طعم!

لكل عصر، ولكل شخص في التاريخ “مفاتيح”، يمكن من خلالها دراسته وفهمه، وفي حالة الملك فاروق ف”مفاتيحه” مع رجلين اثنين هما: رائده ومعلمه، أحمد حسنين باشا، والثاني “محمد حسن”، خادمه الخاص، لكن المشكلة أن الاثنين لم يكتبا شيئا، ولم يسجلا شهادتهما التاريخية على ما شاهداه وعاشاه، كلٌ لظروفه الخاصة، ومن هنا فإن قراءة السيرة الذاتية، وتاريخ أي واحد منهما واجبة.

لم يهتم أحد بسيرة “محمد حسن”، الذي افتدى نفسه وحياته بشهادته في محكمة الثورة، وتسليم كل ما لديه لضباط يوليو، وعاد لقريته في النوبة، جنوب مصر، ولم يُسمع عنه شيئاً حتى وفاته، وإن كنت أرجح إن بعضاً من أوراقه الشخصية عن سنوات خدمته في القصر ما تزال في حوزة أحدهم حتى الآن!

وكان طبيعياً أن يحظى أحمد محمد حسنين باشا ببعض الاهتمام، فهو باختيار الملك فؤاد “رائد” ولي العهد في رحلته الدراسية الأولى، وبضغط من الملكة نازلي أصبح مستشاره السياسي الأول، ورئيس ديوانه حتى وفاته الغير متوقعة.

بعد سويعات من الوفاة ذهب الملك فاروق لبيت الفقيد، وبمساعدة “صادق” الكتوم، قضى وقتاً يُقلّب ويفتش، وقيل إنه كان يبحث عن أية أوراق تثبت الزواج العرفي بينه وبين الملكة الأم، ولا أحد يعرف ما إن كان وجد شيئا أم لا، لكن كل الأراء تتفق أن الملك الصغير تخلّص من عبء كبير كان يُثقل كاهله.

من الواضح أن “الكاردينال الغامض” لم يترك أوراقاً أو مذكرات شخصية مهمة، فهو لم يكن من هواة الكتابة، باستثناء كتابه عن “الواحات المفقودة”، الذي سجّل فيه رحلته الثانية في الصحراء الغربية، والتي اكتشف فيها واحة العوينات، وبسببها حصل على ميدالية الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية، والتي لا تمنح إلاّ للمكتشفين العظام.

لكنه بالطبع لم يسجّل اكتشافاته ومغامراته السياسية والعاطفية منذ أن كفّ عن رحلات الصحراء، وتيقن أن القصور هي التي تصنع المجد والسلطة والنفوذ، خاصة في بلد مثل مصر.

كان المُسمى الرسمي ل أحمد محمد حسنين (بك) الذي اختير له ليرافق “أمير الصعيد” في رحلته التعليمية الأولى هي “الرائد الثاني”، لأن الفريق عزيز المصري كان هو الرائد الأول، وبالطبع كان الملك فؤاد يأمل أن يقدما لولي عهده خبرات ومهارات تؤهله للعرش، لكن في نفس الوقت كان يدرك، بشكل أو بآخر، أن اختياره لحسنين كان في جوهره رسالة اطمئنان للإنجليز، الذين اعترضوا بشدة على “الفريق” المشاغب، صاحب التاريخ الثوري ضدهم، وللأسف لم يُقدّر للملك فؤاد أن يعرف، أو يتصور في أكثر كوابيسه إزعاجا أن “الرائد الثاني” سوف لن يكتفي بالسيطرة على ابنه، بل سوف يمدُ شباك سيطرته ناحية أرملته الجميلة أيضا، ومن خلالها ستصبح له الكلمة الأولى، والمؤثرة، طيلة عشر سنوات قضاها في قصر عابدين، رغم فشله الذريع في توقع مسار الأحداث، واحدة وراء الأخرى، وفي قمتها أحداث ليلة 4 فبراير الشهيرة، حيث كاد الملك أن يفقد عرشه.

ومع كل فشل كان الملك، بتأثير مباشر من أمه، يُجدد الثقة في رائده ورئيس ديوانه، فلم يكن أمامه سوى ذلك، ومن هنا انطلق في خططه ولم يوقفه شيء، ولا حتى اعتبارات العلاقات بين مسلمي مصر ومسيحييها، عندما فكر في استغلال التوتر بين مكرم عبيد ومصطفى النحاس، وعمل على تدمير حزب الوفد، وانتزاع “مديره”، ومعه كتلته (المسيحية!) وبعدها انزوى المسيحيون تماما عن المشهد السياسي المصري، عبرة واتعاظا من تجربة “المجاهد الكبير”، الذي وجد نفسه في العراء (السياسي) مع “أنهم” وعدوه بالكثير!

ولم يتأثر حضور حسنين باشا في كواليس قصر الحكم بموته، بل كان أكثر حضوراً ومأساوية بالنسبة للملك فاروق وأمه… وتلك قصة أخرى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى