سياسة و تاريخ

الرجل الذي أفسد خطة عبد الناصر

لو كتبت اسم «رالف بانش» على أي من محركات البحث على شبكة المعلومات الدولية، فستجد أن معظم، إن لم تكن كل، النتائج تتحدث عن دور الرجل الأهم في حياته كلها، وهو دوره في عقد اتفاقية/هدنة رودوس الشهيرة، 1949، بين العرب وإسرائيل، والتي بسببها حصل على جائزة نوبل للسلام، كأول (مُلوّن) يحصل عليها، هذا فضلا معلومات أخرى عن ولادته ونشأته ووفاته، وهي كلها معلومات صحيحة لا غبار عليها.

لكن هناك بالطبع أدوار أخرى، لا تقل أهمية على ما هو مذكور، أو مشهور، عن الرجل، فهو لسنوات طويلة كان مساعدا للأمين العام للأمم المتحدة منذ نهاية الأربعينات وحتى بداية السبعينات، وهذا موقع له أهميته، خصوصا في فترة الخمسينات والستينات، والتي شهدت دورا، أو أدورا، نشيطة وفاعلة لهيئة الأمم المتحدة على مستوى العالم وأزماته، وكذلك في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.

وفي الواقع فإن هذا الرجل، كان له دور في تغيير مجرى الحوادث، خصوصا في الأيام القليلة التي سبقت اندلاع الحرب، وكان بتدخله فيها أثر كبير، وهو ما دفع الأمور لما جرت عليه وكما نعرفها، ويمكن القول أنه، أي «رالف بانش»، أفسد “خطة مصر/عبد الناصر” كلية.

وفيما هو معروف فإن الدولة المصرية لم تكن تريد الحرب بأي شكل من الأشكال، فتوقيتها لم يكن يناسب الوضع الداخلي أو العسكري، ولكن وجدت نفسها مدفوعة دفعاً لها بتأثير ضغوط إسرائيلية وأمريكية، وكذلك أيضا عناصر عربية “متهورة”، تبين فيما بعد أنها مُخترقة من أجهزة مخابرات دول أجنبية.

والذي حدث هو أن مصر لم تطلب سحب قوات الطوارئ الدولية من كل سيناء، بل كان طلبها الأساسي هو إعادة نشر تلك القوات، بحيث تنسحب من خط الحدود مع إسرائيل، وأن تتمركز في قطاع غزة، كنوع من الحماية لسكانه ضد الهجمات الإسرائيلية، وهو ما كان يهتم به عبد الناصر بشدة، أو كخيار ثاني تنتقل إلى مدينة شرم الشيخ والمنطقة الواقعة حولها (التي تطل وتتحكم في خليج العقبة الذي كان إغلاقه سبب تفاقم الوضع)، وكان التصور المصري أن الأمم المتحدة، ممثلة في أمينها العام، يو ثانت، بعد مباحثاته في القاهرة مع عبد الناصر، تقبل هذه الخطة لتفادي نشوب الحرب، لكن الذي حدث أن «رالف بانش”، الأمين العام المساعد، تدخل بسرعة وبقوة، وأعلن أن عمل قوات المنظمة الدولية هو وحدة لا يتجزأ، فإما أن تستمر القوات في مواضعها السابقة، كما تم الاتفاق على ذلك بعد العدوان الثلاثي، 1956، وإما أن تنسحب كلها (وهذا هو حق من حقوق مصر إذا طلبت ذلك) وبناء على ذلك الموقف اضطرت القيادة المصرية إلى تقديم طلب سحب القوات من كل سيناء، على عكس خطتها الأصلية.

لقد بدأت الأزمة في 7 إبريل من ذلك العام حين قامت معركة جوية بين إسرائيل وسوريا، بسبب تجاوزات الأولى في المنطقة منزوعة السلاح بين البلدين، وكانت نتيجة المعركة هو خسارة السوريين 6 طائرات دفعة واحدة، وأيضا بسبب المجزرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد قرية “السموع” الأردنية، رداً على هجمات المقاومة الفلسطينية ضده، وفي الحقيقة فإن تصعيد الموقف في تلك الأيام لم يكن مسؤولية إسرائيل أو رغبة لديها فقط، بل كان هدفاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبعض القوميين المتشددين في دمشق، الذين كانوا يعتقدون أن مصر، وبعد فشل تجربة الوحدة مع سوريا، قد انكفأت على نفسها متناسية قضية تحرير فلسطين، ومن الغريب أن الاسم الكودي للعمليات التي كانت تقوم بها المقاومة في ذلك الوقت كان: “حرب التوريط”، والمقصود هو توريط مصر في حرب شاملة مع العدو الإسرائيلي!!

ولقد وجدت بعض الإذاعات العربية المعارضة لعبد الناصر الفرصة كاملة لشن هجوم كاسح عليه متهمة إياه بالتخاذل والتقاعس عن نجدة السوريين والأردنيين، وركزت على وجود قوات الطوارئ الدولية بين مصر وإسرائيل، التي كما كانت تردد، يتستر وراءها عبد الناصر “جبنا وخوفا”!

وبالطبع لم يكن عبد الناصر قادرا على الصمت على ما يحدث في سوريا والأردن، بغض النظر عن أي اعتبارات سياسية، وذلك من موقف ومبدأ قومي عربي، ولذلك دارت العجلة حتى اتخذ قرار سحب قوات الأمم المتحدة وغلق مضيق العقبة في وجه الملاحة من وإلى ميناء إيلات الإسرائيلي، وفي كل ذلك كان تفكيره يتجه إلى خوض معركة سياسية وتجنبا للحرب، فهو يعرف أن التوقيت لا يلائمه بالمرة، خصوصا مع الوجود العسكري في اليمن، ومشاكل برامج التسليح المصرية في الطائرات والصواريخ.

ومن هنا كانت رغبته (بالتشاور مع مساعديه) أن يكون طلب مصر هو إعادة توزيع قوات الطوارئ وليس سحبها بالكامل، وهو إذا تحقق فإنه يقدم له ما يطلبه، من ناحية تبطل حجة الإذاعات المعادية له بالتستر خلف تلك القوات، ومن ناحية أخرى تستمر في التواجد كرادع دولي (معنوي) لإسرائيل، تجعلها تفكر ألف مرة قبل القيام بعمل عسكري (خصوصا ضد قطاع غزة أو شرم الشيخ).

لكن كانت مفاجأته حين وقف “رالف بانش”، ضد خطته، وأقنع يو ثانت بنظرية عمل القوات كوحدة لا تتجزأ، ومن هنا اضطر عبد الناصر لتعديل طلبه بحيث تنسحب قوة الطوارئ بالكامل، ثم كان ما كان.

بحسب المعلومات المتوفرة على الإنترنت، فإن “رالف جونسون بانش” درس في أكبر جامعات أمريكا، ثم التحق في بداية حياته في مكتب الخدمات الخاصة، الذي أسسه “چون فوستر دالاس”، أثناء الحرب العالمية الثانية، وهو نواة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA، ثم بعدها عمل في وزارة الخارجية الأمريكية، وبعد مقتل الوسيط الدولي، الكونت فولك برنادوت، أثناء معارك حرب فلسطين، 1948، على يد متطرفين يهود، تم اختياره كوسيط دولي ونجح في عقد هدنة رودس الشهيرة، ونال عن دروه فيها جائزة نوبل للسلام، ونتيجة لذلك تم اختياره مساعدا للأمين العام للأمم المتحدة، وكان موضع ترحيب من دول العالم الثالث (خصوصا الأفارقة) باعتبار أنه (مثلهم) مُلوّن، مع أن شكوكا كثيرة راودت أعضاء المنظمة الدولية أنه ليس إلاّ عينا ويدا للولايات المتحدة داخل ذلك المبنى الفخم الضخم الواقع على ضفاف نهر هدسون في نيويورك!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق