سياسة وتاريخ

الربيع التركي الحارق

أعلنت وزارة الدفاع التركية على لسان وزير الدفاع خلوصي أكار في الأول من مارس الجاري، انطلاق عملية درع الربيع العسكرية في إدلب شمال غرب سوريا؛ لوقف تقدم قوات النظام، وحماية نقاط المراقبة التركية على أراضي معقل الثورة السورية الأخيرة، بعدما انتهت المهلة الممنوحة لنظام الأسد لوقف عملياته العسكرية، والتي حدد لها التاسع والعشرون من فبراير الماضي.

جاء الرد التركي الأخير بعدما زعمت وسائل إعلام روسية قصف سلاح الجو السوري جنوداً أتراكًا مساء السابع والعشرين من فبراير، موقعة ثلاثة وثلاثين قتيلاً، لكن حكومة العدالة والتنمية التي تعلم تمام العلم أن ما حدث ما كان ليحدث لولا الضوء الأخضر الروسي لإزاحة تركية من المشهد السوري، وزاد من تأكد الأتراك تضارب التصريحات الروسية، والتي ينطبق عليها المثل القائل يكاد المريب يقول خذوني.

فتارة تصرح الخارجية الروسية أن تركيا لم تبلغها بوجود جنود لها في إدلب، وكأن أولئك المنتشرين على الأراضي السورية ممثلون هزليون لا علاقة لهم بالعسكرية، وتارة أخرى تزعم مقاتلة الأتراك إلى جانب من تصمهم موسكو بالإرهابيين في إشارة لمقاتلي الفصائل الثورية السورية المناهضة للنظام، وتسببت العمليات البربرية للنظام بمساعدة روسيا في نزوح مليون سوري إلى الحدود التركية بشكل أربك حسابات الحزب الحاكم، هنا قررت تركيا اقتلاع شوكها بيدها.

ضربت الطائرات التركية مواقع للنظام في حلب وإدلب؛ موقعة ما يزيد عن مائتي قتيل من جنود النظام في ساعات الهجوم الأولى، قبل أن يتطور الأمر لإسقاط المضادات الجوية التركية لعدد من مقاتلات النظام المتهالكة الروسية الصنع، ثم ساعدت فصائل الثوار في استعادة سراقب قبل أن يتمكن نظام الأسد الطائفي من السيطرة عليها مجدداً، لكن وجهت أنقرة رسالة قاسية لبوتين ومن ورائه دميته بشار الأسد وهي “لن نقف موقف المتفرج مرة أخرى”.

فتركيا التي التزمت بمخرجات اتفاقيتي سوتشي لخفض التصعيد وأستانا لإيجاد حل سياسي للمعضلة السورية، وفرضتها على الثوار في مقابل مصالحها المرحلية كمطاردة الفصائل الكردية أو إنشاء مناطق آمنة لإعادة اللاجئين بشكل تسبب في تقهقر الثورة السورية لصالح النظام، وجدت نفسها وهي تطعن في الظهر وتنصب لها الأفخاخ في جارتها الجنوبية، وكان التحرك لوأد المؤامرة لا بد منه.

فلن تحتمل الميزانية التركية مزيداً من اللاجئين وهي لم تستطع حل مشكلة أولئك المتواجدين على أراضيها بعد، ولن تقف القيادتان السياسية والعسكرية التركيتان مكتوفتي الأيدي والجنود الأتراك يذبحون بخسة وهم يؤدون واجبهم، ولن ترضى أنقرة بحل سياسي يفرضها الآخرون في سوريا بشكل لا يراعي مصالحها.

وعليه فإن العملية العسكرية التركية الأخيرة تهدف إلى:

1- حماية نقاط المراقبة التركية من الاعتداءات مجدداً.

2- إلزام نظام الأسد بالعودة لاتفاق سوتشي، والتي اعتبرت إدلب وغيرها من المناطق التي للأسف استولى عليها النظام العلوي ووقف العمليات العسكرية فيها.

3- وقف موجات النزوح السوري إلى تركيا، والتي تحولت لتهديد سياسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، خاصة بعدما تسببت في خسارته اسطنبول خلال الانتخابات البلدية الماضية.

4- إنشاء مناطق آمنة في إدلب تسهل على تركيا إعادة اللاجئين السوريين على أراضيه.

لن تطول العملية العسكرية التركية في إدلب، خاصة مع زيارة أردوغان المرتقبة لروسيا، وحالما تأكد من إتمام المهمة وإزالة سوء التفاهم مع بوتين، ستعود الأحوال إلى سابق عهدها، ولا عزاء للثورة السورية التى قوضتها مصالح الأطراف المتصارعة على الأرض السورية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى