سياسة وتاريخ

«الرئاسوية» كحتمية لنظام وُلد من الخطيئة الثورية!

من الغرائب التي ظلت تفرزها حتى هذه الساعة ثورة الحراك بالجزائر، وهذا حتى في ظل توقفها المؤقت بسبب جائحة كورونا، أنها أظهرت النظام الرئاسوي تحديدًا والنظام السياسي في البلاد بشكل عام، وهو في تراجيديا يتشبث بالحياة رغم تهالكه بنيويًا وفكريًا، يتخبط في جملة من التناقضات العملية في سياق مسعاه لإعادة التأسيس لبقائه.

وفي الوقت الذي سعى فيه النظام الجزائري لإعادة تكريس بنائه القديم من خلال دسترة الرئاسة المطلقة، التي كانت أساسًا أصل الثورة عليه وعلى قائده الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، انبرى أعضاء العصابة المجودون في سجن الحراش، يحملون عبر سلسلة جلسات المحاكمات التي يخضعون لها بخصوص عديد ملفات الفساد التي اتهموا بالضلوع فيها، مسئولية ما حصل من فساد غير المسبوق في تاريخ الدولة الوطنية، للرئيس بوتفليقة.

وبحسب ما ذكره السياسي الجزائري أحمد أويحيى، في معرض رده على أسئلة رئيس المحكمة بشأن الاعتمادات والرخص التي منحت لبعض شركات تركيب السيارات دون الأخرى، كانت كل الملفات تمر عليه المتعلقة بالمشاريع الاستثمارية يرفض منها ما يشاء ويقبل ما يشاء، أمام عجز البرلمان تشريعًا وتكوينًا على لعب دور الرقابة على المال العام.

هذا في الوقت الذي أشار فيه مشروع الدستور الجديد ديباجته إلى الحراك بوصفه حركة تصحيح لمسار الدمقرطة وتقويم البناء الوطني، فكيف يشيد دستور بحركة شعبية ثارت على نمط حكم ثم يعيد دسترة ذلك النمط؟ ثم ما الذي يدفع النظام إلى التشبث بخيار النظام الرئاسوي كنمط للحكم؟

أتذكر أني قرأت يومًا حوارًا لرئيس البرلمان السابق عبد العزيز زياري، حينما كانت لجنة أحمد أويحيى تجتمع بالمعارضة الزائفة وما يسمى عادة بالشخصيات الوطنية، من أجل تلقي اقتراحاتها بشأن التعديلات التي أجريت على دستور في 2012، يومها قال رئيس البرلمان “عني شخصيًا، فأنا أفضل النظام الرئاسي على البرلماني لأن الأخير يعد خطرًا على مجتمعنا في ظل حِدَّة الفرقة الحاصلة فيما بين مكونات المجتمع السياسي”.

أهم ما يمكن أن يلفت الانتباه في تصريح الرئيس السابق للبرلمان، هو أنه يرفض النظام البرلماني، يعني عوض أن يتطلع بصفته الوظيفية إلى صلاحيات أوسع وتورط أكثر في عملية صنع القرار، نجده ليس فقط يقبل أو يتقبل بل يدعو إلى نظام مركزي يحيل العملية النيابية إلى مسار شكلي، وهذا ما يؤكد بأن الأغلبية النيابية التي كانت تسيطر طيلة العقود الثلاثة التي أعقبت الانقلاب العسكري الذي أوقف المسار الانتخابي وزج بالبلاد في حرب أهلية عرفت بنعت فترة الإرهاب لدى الجهات الرسمية وبالمأساة الوطنية في عهدا المصالحة الوئام، كانت أغلبية مفبركة ليس إلا.

ثانيًا: يستنتج من قول عبد العزيز زياري رئيس البرلمان السابق، بأن حجم الفرقة الموجودة في المجتمع السياسي الجزائر لا يحتمل اللجوء إلى النظام البرلماني، هو اعتراف بأن ثمة احتقان سياسي على صعيد النخب الحزبية في ظل الاستبعاد الممنهج للمواطن من العمل السياسي الذي اتبع بإتقان منذ تم الانقلاب على إرادة الشعب سنة 1992، احتقان حزبي تشتغل عليه جهة معينة عبر ضمان تزوير الانتخابات البرلمانية وفرض خارطة سياسية مصطنعة وثابتة لتحقيق ما كان يُزعم بأنه استقرار سياسي تحياه البلاد.

وظل حرص النظام الدائم هو أن تكون ممارسة ما يسمح به من التعددية صوري وأن تتم مسرحيته داخل قبة البرلمان مبتورة كليةً عن القواعد الشعبية حتى في ظل تلك الصورية على أن تكون أغلبية البرلمان ممن يدعم ويصفق للرئيس من خلال مسار متواصل من التزوير، سلوك لم يصب فقط الساحة السياسية بالعقم بل لقد أعقم النظام نفسه الذي ظن أنه تخلص من معارضة النخب فإذا به يجد أسئلة أخرى من وعي الشعب لا يمتلك لها إجابات بالمرة.

النظام الرئاسوي الذي تأبى النخب الحاكمة في الجزائر إلا أن ترسخه بشتى الطرق هو في الحقيقة يشكل بالنسبة لها فضاء الأوكسجين الذي لا يمكنها العيش إلا فيه، تمامًا مثل الحوت في البحر، فهي مذ استولت على الحكم خارج الأطر المؤسسية للثورة التحريرية، انطبعت في جيناتها الأحادية والأبوية الوطنية، وبحكم الظروف الأولى لسنوات الاستقلال كانت تسمح بها وتسمع لها، فإنها اليوم في ظل التصاعد الكبير في مستوى الوعي السياسي وتعاطيه المختلف مع الوطنية، الثورة والتاريخ صارت محل تمرد ورفض واسعين من قبل الشعب وشبابه.

فالمشكلة إذًا، ليست كما يزعم عبد العزيز زياري في حدة الفرقة الحاصلة في مجتمع السياسة بالجزائر، بل في بنية نظام الخطيئة السياسية الأولى الذي اختار خوض طريق مقطوع الأفق وها هو ذا قد انتهى إلى ذلك الأفق وما عاد يدري ولا يعرف اي الاتجاهات يأخذ وأي معركة يخوض، مما اضطره مرةً أخرى لاستنساخ النمط الرئاسوي الذي مارسه بأبشع الأساليب. نظام بوتفليقة قاد به البلاد إلى أكبر مستنقع من الخراب والفساد المالي والسياسي سيظل المجتمع الجزائري يدفعه ثمنه لعقود طويلة، وعوض أن نتخذ من هذه التجربة البائسة درسًا وحجة لعدم العودة للرئاسوية من جديد، ها هو النظام يعيد دسترتها مجددًا ما يكشف عن عدم مرافقته كما ظل يزعم للحراك ولا لسماعه لمطالبه ويكشف ضعفه البنيوي كما أشرنا، من كونه لا يحيى في غير الأبوية التي لا يفورها له أي من نظم الحكم السياسي سوى النظام الرئاسوي.

كل ذلك يتم في مواجهة جيل منطلق بطاقة جديدة ووطنية متجددة يدري ويعرف أي المعارك التي صار عليها خوضها وأي الاتجاهات في سبيل ذلك يأخذها، من خلال الشعارات التي يرددها في كل المسيرات؛ جزائر حرة ديمقراطية ودولة مدنية وليس عسكرية، فهو بذلك يصحح المسار الأول الذي أخطأته حركة جيش الحدود سنة 1962 ويبني وطنًا جديدًا من على قواعد التأسيس التي جاء بها بيان ثورة التحرير فيما يعرف ببيان أول نوفمبر.

واضح إذًا أن العملية الدستورية الفوقية المكرسة للرئاسوية التي لجأ إليها مرة أخرى النظام بغرض قطع الطريق أمام بلوغ الوعي السياسي الذي فجر الحراك مستوى التغيير الجذري للدولة وآليات تنظيم وتسيير أجهزة الحكم فيها، سوف لن يفضي سوى إلى إحباط آخر لطموح الجزائريين في الانطلاق والانعتاق من أسر الماضي بوطنيته الشعاراتية وأبويته الوصائية البائدة.

اقرأ أيضًا: المادي والعقلي في عقبات التحول السياسي في الجزائ

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق