سياسة وتاريخ

الرأسمالية اليهودية في مصر وبنك مصر (8)

تم  تأسيس البنك برأسمال متواضع قدره ثمانون ألف جنيه، ولم يكن غريبا أن يكون غالبية مساهمي البنك من أصحاب الأملاك الزراعية، فالزراعة كانت أساس الثروة آنذاك، وكان نجاح جهود إنشاء بنك مصر مرتبطا بأنطلاق القوي الوطنية المؤدية إلي الأستقلال، والتي جمعت ثم أنفجرت في ثورة 1919، ولقد عبر عبدالرحمن الرافعي عن ذلك ببراعة حيث قال أن البنك هو الثمرة الأقتصادية للثورة.

وقد نجد بنك مصر بسرعة في أن يكون له مكان ظاهر بين البنوك العاملة في مصر، وسانده في ذلك المد الوطني الذي شجع المشروع الوطني والبضائع المصرية، وكذلك التوسع الأقتصادي والرخاء العالمي الذي ميز فترة العشرينات ، كذلك وبعد فترة قليلة وبفضل الأستقلال السياسي استطاع البنك أن يحصل علي التأييد الرسمي للحكومة وأستحوذ علي ودائع المحليات وعلي جزء من ودائع صندوق توفير البريد عام 1925، ونتيجة لذلك النجاح رفع رأسمال البنك إلى مليون جنيه عام 1927، بينما وصلت حقوق المساهمين إلي 1.4 مليون جنيه، وفي نهاية العشرينيات وصل عدد المودعين إلى ما يربو علي أربعين ألفاً، وإجمالي الودائع إلي 7.5 مليون جنيه، والسلف إلي حوالي 6.5 مليون جنيه (حلمي النمنم ، 2006 : 59 ).

يرجع اهتمام “طلعت حرب” بالصناعة إلى تأثره بالتجربة الألمانية في التصنيع و دور البنوك في تمويلها، فقد كان زار ألمانيا، وكتب تقريراً حول تجربتها الصناعية قدمه إلي لجنة الصناعة والتجارة التي أنشأتها الحكومة برئاسة صدقي باشا صبحي، وكان محمد طلعت حرب عضواً فيها ولقد عرض تقرير اللجنة الذي صدر عام 1917م العديد من سبل النهوض بالصناعة، ولم يكن دخول البنوك في مجال تمويل الصناعة مقبولاً ، وبالذات بين أنصاراً المدرسة الإنجليزية في إدارة البنوك، ذلك أن أنصار المدرسة كانوا يلتزمون بدور البنوك التجارية التي توظف ودائعها فقط في استخدمات قصيرة الأجل، وبالمقابل كانت البنوك الألمانية تري أن دورها إنمائياً بالدرجة الأولي ، وبالتالي لم تر مانعاً من تمويل الصناعة.

ولقد بدأ بنك مصر في إنشاء الشركات عام 1922 بإنشاء مطبعة مصر برأسمال متواضع، وبعد ذلك تتابعت شركاته ووصلت إلي أربع وعشرين شركة حتي عام 1940م، يزيد مجموع رؤوس أموالها الأصلية على 1.8 مليون جنيه، ولقد تنوعت أنشطة شركات بنك مصر ، مع ذلك كان من المحتم أن يكون لشركات تصنيع القطن ، وهو عماد الأقتصاد الوطني نصيب كبير، فأنشأ البنك شركة لحليج الأقطان عام 1924م، ثم أنشأ شركة مصر “للغزل والنسيج” بالمحلة، وهي أكبر شركاته، وشركة “بيع المصنوعات المصرية” عام 1932م، وشركة “مصر للنقل البحري” عام 1934م ، وشركة “مصر للغزل والنسيج الرفيع” عام 1937م ، وشركة مصر “صباغي البيضاء” عام 1938، وشركة مصر لصناعة الزيوت في نفس العام، وكان البنك يساهم بجزء من رأسمال هذه المشروعات ويترك الباقي للاكتتاب العام، وبذلك كان البنك سباقاً في فتح مجالات جديدة للرأسمالية الوطنية ( سهام نصار ، 2004 : 197 ).

ومن الملائم مقارنة مساهمة “بنك مصر” في إنشاء الشركات بالتطور الأقتصادي العام خلاف فترة ما بين الحربين ، وتؤكد هذه النقارنة أهمية دور “بنك مصر” ، ذلك أن عدد الشركات التي أسست خلال العشرينيات بلغ حوالي 119 شركة مجموعة رؤوس أموالها حوالي 11 مليون جنيه مصري، وبينما ذاد عدد الشركات إلى 132 شركة جديدة خلال الثلاثينيات فإن رؤوس أموالها وصلت فقط إلي 7.74 مليون جنيه، أي أن مجموع الشركات المنشأه خلال فترة ما بين الحربين وصلت إلي 251 شركة مجموع رؤوس أموالها إلي 18.4 مليون جنيه، ولما كان بنك مصر قد أنشأ 24 شركة بالإضافة إلي البنك نفسه، فإن مجموعة بنك مصر تكون المسئولة عن 10% من مجموعة الشركات المنشأة خلال فترة ما بين الحربين، وعن رؤوس أموال قدرها 4.7 مليون جنية (منها مليون جنيه رأسمال البنك)، أو ما يزيد عن ربع قيمة رؤوس أموال مجموع هذه الشركات.

ومن الواضح أن مساهمة “بنك مصر” خلال فترة الكساد الكبير في الثلاثينيات كانت أكبر من العشرينيات ، ذلك أن مجهوداته في إنشاء الشركات تعاظمت بإنشاء شركاته الكبرى، كذلك فإن الكثير من الشركات (الجديدة) الأخرى المنشأة في الثلاثينيات كانت في الأصل شركات أجنبية كاملة تعمل في مصر، وأعيد تسجيلها تحت ظل القانون المصري استجابة لرياح الأستقلال والوطنية خلال هذه الفترة. وبالطبع كانت زيادة المساهمات مجموعة بنك مصر في هذه الفترة مؤشراً لبدايات تمصير الأقتصاد المصري، ولزيادة مساهمة الرأسمالية الوطنية الجديدة في الحياة الأقتصادية ( شوقي الجمل ،عبدالله إبراهيم ، 1997 : 158 ).

كان بنك مصر أول شركة مساهمة يقتصر ملكية أسهمها على المصريين، وأهتم بتأكيد هويتة الوطنية، فكان أول مصرف يستخدم اللغة العربية في معاملاته وقصر إدارته علي المصريين ، وسعي البنك إلى تنمية قدرات العاملين في هذا المجال الجديد علي ابن البلد، عن طريق البعثات التدريبية واستجلاب الخبراء، وساهمت شركاته في النهضة الثقافية والأجتماعية ومكنها بالطبع “مطبعة مصر” ، وشركة “ستديو مصر”، التي بدأت صناعة السينما في العالم العربي، كذلك فإن بنك مصر وسوريا ولبنان كان أول صورة لأنتقال رأس المال الوطني بين الدول العربية في صورة شركة متعددة الجنسيات، وأيضا ساهمت شركاته مثل “مصر للطيران” و شركة “مصر للملاحة البحرية” في ربط أوصال العالم العربي، وامتداد مساهماته إلي تسهيل رحلات الحج وتنقية آبار المياه في الحجاز( محمود سعيد عبدالظاهر ، 1999 : 173 ).

وبالرغم من الاتجاه الوطني للبنك لم يتردد في إنشاء شركات مشتركة مع الأجانب عندما وجد أن هذا لازم لضمان الخبرة الفنية والتسويقية ، وكان أولي الشركات المشتركة هي شركة “مصر لتصدير الأقطان” مع بيت تصدير ألماني، ثم شركة “مصر للتأمين” مع خبرات إيطالية وإنجليزية ، وكان بنك مصر يتعاول مع هذه الشركات من منطلق وطني واعٍ لا يغلق علي نفسه الأبواب دون الأستفادة من إمكانيات وخبرات العصر ، وكان الهدف من إنشاء هذه الشركات بالطبع خدمة الأقتصاد القومي وتكوين جيل جديد من الخبراء المصريين، وكان البنك يحتفظ بغالبية الأسهم في معظم الأحوال، بحيث تكون غالبية مجلس الإدارة من المصريين ، وهو شرط لم يتحقق بالنسبة لباقي الشركات المساهمة إلا بصدور قانون الشركات عام 1947، وكانت حسابات شركات البنك تمسك باللغة العربية، وهو لم يتحقق بالنسبة لباقي الشركات إلا في عام 1924م، وكذلك نصت اتفاقيات إنشاء هذه الشركات المشتركة علي أن تعطي أفضلية التعيين للمصريين، وأن يكون لكل فني أجنبي مساعد مصري يحل محله في أول فرصة ( علي الجارحي ، 1995 : 53 ).

ولقد سبب الاتجاه الوطني للبنك الكثير من القلق للدوائر الأستعمارية البريطانية التي كانت تقف للبنك بالمرصاد ، وتوضح مراسلات السفارة البريطانية في القاهرة أنها لم ترحب بمجهودات البنك في ربط العالم العربي بإنشاء الخط الملاحي بين السويس وجدة ، وكذلك الخطوط الجوية بين القاهرة وبغداد ، كذلك أستاءت السلطات البريطانية من استعانة البنك بالخبرات الألمانية وزيادة صادرات القطن لدول المحور ، وأخيرا سبب أنخفاض واردات مصر من المنسوجات الإنجليزية ، كنتيجة لإنشاء مصانع المحلة، الكثير من الأسي للدوائر الصناعية البريطانية التي لم ترغب في فقدان سوقها التقليدي.

وقد حاول الوطني المخلص طلعت حرب من حماية الثروة الوطنية من الوقوع في يد الأجانب أثناء فترة الكساد العالمي الكبير عام 1929 – 1937م ، ولعل محاولات طلعت حرب إنقاذ الملكيات الزراعية من الوقوع في يد البنوك الأجنبية كانت السبب الرئيسي لأزمة بنك مصر الذي ظهر إلي السطح في أغسطس عام 1939م، مع تجمع سحب الحرب العالمية الثانية، وزيادة سحب الودائع من البنوك ( عبدالوهاب المسيري ، 2000 : 117 ).

الأجزاء السابقة: 

الجزء الأول.

الجزء الثاني.

الجزء الثالث.

الجزء الرابع.

الجزء الخامس.

الجزء السادس.

الجزء السابع.

• المراجع : 

أحمد محمد غنيم (2011) اليهود والحركة الصهيونية في مصر (1897-1947) ، القاهرة ، الطبعة 4 ، كتاب الهلال .

أحمد منصور النوافي (2014) يهود النيل  ، القاهرة ، دار حورس للنشر والتوزيع .

أمل فهمي ( 2002) العلاقات المصرية اليهودية (1882-1914) القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب .

أنس مصطفي كامل ( 2002 ) الرأسمالية اليهودية في مصر ، القاهرة ، ط1 ، ميريت للنشر والمعلومات .

جميل عرفات (2005) النشاط الصهيوني في مصر (1877-1950)، الطبعة 2 ، حيفا ، فلسطين ، موقع الجبهة الديموقراطية للسلام والمواساة .

حسن عبدالحميد معروف (1993) مصر والصهيونية ، سلسلة كتب تاريخ المصريين (1897-1917) ، القاهرة ، الهيئة العامة للكتاب.

حلمي النمنم (2006) اليهودية في مصر ، القاهرة ، الطبعة الرابعة ، دار الفكر العربي .

حمدي توفيق (2009 ) تاريخ اليهود في مصر من البداية وحتي النهاية ، القاهرة ، دار الجمهورية للنشر والتوزيع .

روت كميحي (1999) صهيونية في ظل الأهرامات – الحركة الصهيونية في مصر (1918-1948) صادر بالعبرية عن دار نشر (عام عوفيد) تل أبيب ، ترجمة  محمد نصر الدين .

سعيد محمد حسني (2000) اليهود في مصر (1882-1948) ، القاهرة ، الطبعة 3 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب .

سهام نصار ( 1998) اليهود المصريين بين المصرية والصهيونية ، بيروت ، ط2 ، دار الوحدة للطباعة والنشر .

سهام نصار ( 2006) الصحافة الإسرائيلية والدعاية الصهيونية في مصر ، القاهرة ، الزهراء للإعلام العربي .

سهام نصار (2004) اليهود المصريين بين المصرية والصهيونية ، بيروت ، ط4 ، دار الوحدة للطباعة والنشر .

سوزان قادر محمد ( 2005 ) اتجاهات الفكر اليهودي في القرن التاسع عشر (دراسة تاريخية تحليلية) رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية أصول الدين ، الجامعة الاسلامية ، بغداد .

شوقي الجمل ، عبدالله عبدالرازق ابراهيم (1997 ) تاريخ مصر المعاصر ، القاهرة ، دار الثقافة للنشر والتوزيع .

عادل عز الدين (2014) حرب اليهود في مصر ، الطبعة الثانية ، مصر ، دار حورس للنشر والتوزيع .

عبدالرحمن الرفاعي (1994) الحرب العالمية الأولي ، القاهرة ، الطبعة الثانية ، الهيئة العامة للكتاب .

عبدالوهاب المسيري (1999) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ، القاهرة ، ط2 ، دار الشروق للنشر والتوزيع .

عبدالوهاب المسيري (2000) دور الجماعات اليهودية الاقتصادي في مصر في العصر الحديث ، القاهرة ، دار الشروق للنشر والتوزيع .

علي شلش ( 2005 ) اليهود والماسون في مصر – دراسة تاريخية ، الطبعة الأولي ، القاهرة ، الزهراء للإعلام العربي.

علي عبدالله الجارحي ( 1995 ) الرأسمالية اليهودية في مصر (1899-1945) ، القاهرة ، دار النشر والتوزيع .

عواطف عبدالرحمن (2012) الصحافة الصهيونية في مصر (1896-1954) دراسة تحليلية ، الطبعة الثالثة ، مصر ، مكتبة جزيرة الورد .

فتحي عبدالعليم (2002) النشاط الصهيوني في مصر قبل قيام اسرائيل من عام 1897- 1948 م ، القاهرة ، مكتبة جزيرة الورد.

محمد أبو الغار (2004) يهود مصر من الإزدهار إلى الشتات، القاهرة، دار الهلال .

محمد حسنين هيكل (1999) مذكرات في السياسة المصرية، الجزء الثالث، القاهرة، دار مصر للنشر والتوزيع .

محمد رفعت الإمام (2005) تاريخ اليهود في  مصر ، سلسلة كتاب تاريخ مصر، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب .

محمد سيد كيلاني (2007) الرأسمالية اليهودية في مصر، القاهرة، الطبعة الثالثة، دار الهلال للنشر والتوزيع .

محمود سعيد عبد الظاهر (1999) يهود مصر دراسة في الموقف السياسي (1897-1948 ) جامعة القاهرة ، مركز الدراسات المشرقية.

مصطفي الخطيب (2004) النشاط الصهيوني في مصر (1880 – 1914) القاهرة ، دار المعارف .

نبيل عبدالحميد سيد (1999) اليهود وأثرهم في المجتمع المصري ، الجزء الأول ، القاهرة ، مكتبة الأنجلو المصرية .

هاجر هلال (2001) الأسس الاقتصادية اليهودية في مصر ، (1918-1923) القاهرة ، الهيئة العامة للكتاب.

<Mosse, George, “Shell Shock as a Social Disease” Journal of Contemporary History 35, no 1(2000): 8-101.

<Moyar, Laurence. Victory Must Be Ours: Germany in the Great War, 1914-1918. New York: Hippocrene Books,1995 .

<Offer, Avner. The First World War: An Agranian Interpretation. Oxford: Clarendon Press, 1999.

<Roberts, Mary Louise. Civilization Without Sexes: Reconstructing Gender in Postwar France, 1917 – 1927. Chicago: University of Chicago Press, 1994.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى