سياسة وتاريخ

الرأسمالية اليهودية في مصر وبنك مصر (7)

مع بداية الحرب العالمية الأولى وفد عدد كبير من يهود أوروبا الشرقية، من القسطنطينية، وأزمير وسالونيك وكوزفو، ورومانيا إلى مصر في ذلك الوقت ونزلوا هؤلاء المهاجرون إلى ميناء الإسكندرية حيث أقاموا معسكرات في منطقة القباري بالإسكندرية اطلق عليها “معسكرات التحرير” وقامت السلطات المصرية والبريطانية بالسهر علي راحتهم، فقد أمر السلطان حسين كامل بأن تصرف لهم إعانة يومية قدرها ثمانون جنيها، زيدت إلى مائة وقام بعض اليهود في مصر بتشكيل لجان لمساعدة هؤلاء المهاجرين، عن طريق تشكيل “صندوق إغائة اليهود” الذي أنشاء في الإسكندرية وكان أيضا لمساعدة اليهود المقيمين في دولة فلسطين وكان مستودعاً صبت فيه أموال التبرعات، التي تم جمعها من الدول الأخرى، وفي السياق نفسه جاءت دعوة طلعت حرب إلي أنشاء إقتصاد وطني، بتأسيسه بنك مصر وشركاته، الذي يعد أول بنك مصري، أسهمه خالصة وقاصرة علي المصريين فحسب، في الوقت الذي توالت فيه الدعوات إلي مقاطعة البنوك والشركات والمصانع الإنجليزية، هكذا تبنت شرائح من البرجوازية، أنذاك أيديولوجية معادية للأستعمار، وتهدف إلى الأستقلال الأقتصادي والسياسي للقطر المصري، ترافق صعود البرجوازية مع ظهور مجموعة من الأحزاب المصرية لتكون التعبير السياسي عن مصالح البرجوازية، متبنية قضية الأستقلال والأصلاح الدستوري، ويمكن تقسيم الحياة الحزبية في مصر إلى مرحلتين زمنيتين أولهما قبل الحرب العالمية الأولي والأخري بعد الحرب العالمية الأولي ( محمد أبو الغار ، 2004 : 265 ).

ففي المرحلة الأولى من الحياة الحزبية (1907- 1914) وهي ماقبل الحرب العالمية الأولى تصدر الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل ثم محمد فريد الحركة الوطنية، مناديا بالاستقلال عن بريطانيا، ومطالبا بالدستور، ولجأ الحزب إلي العمل السري ففي عام 1910 بينما عبر “حزب الأمة” عن مصالح كبار الملاك، وركز علي الإصلاح الدستوري ، أكثر من الأستقلال وتبني هذا الحزب فكر “القومية المصرية” وروج لها في صحيفته “الجريدة” التي ترأس تحريرها أحمد لطفي السيد. وفي مقابل هذين الحزبين ظهر حزب ثالث، مدعوم من الخديوي عباس الثاني هو “حزب الإصلاح” وقد عبرت تلك الأحزاب عن التناقضات القائمة بين البرجوازية المصرية الصاعدة، أنذاك وبين كبار الملاك والأعيان ، المتعاونين مع الرأسمالية الأجنبية، والأستعمار البريطاني وكذلك بينهما وبين سلطة خديوي مصر من جهة أخري ( حسن عبدالحميد معروف ، 1993 : 44 ).

أما المرحلة الثانية من الحياة الحزبية (1919– 1953) وهي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولي تصدر “حزب الوفد” الحركة الوطنية المصرية، مطالبا بالأستقلال والدستور وتكون حزب الوفد من تحالف برجوازي (برجوازية) وظهرت في هذه المرحلة أيضا أحزاب مدعومة من الملك فؤاد رغبة منه في السيطرة علي الحياة السياسية المصرية مثل حزب الأتحاد (1925) وحزب الشعب 1930 وفي المقابل ظهرت في الفترة نفسها جماعات وأحزاب ماركسية فضلا عن جماعة الأخوان المسلمين وحزب مصؤ الفتاة، علي أن تعرض الأقتصاد المصري كجزء من السوق العالمية للأزمة الأقتصادية العالمية عام 1929، وما تبعها من ركود أقتصادي (1931- 1935) ، جعل البرجوازية المصرية تقدم تنازلات غير قليلة علي الصعيد الأقتصادي، منها قبولها التعاون والمشاركة مع رأس المال الأجنبي وبدأ “بنك مصر” وشركاته يتخلي عن شرط الجنسية المصرية، في حاملي الأسهم مما مكن رأس المال الأجنبي بالتحالف مع شرائح تجارية، كمبرادورية، من ضرب مشروع “بنك مصر” وشركاته، مع بداية الأربعينات القرن العشرين ( Roberts ,Mary , 1994 : 147 ).

ترافق فشل البرجوازية المصرية في محاولتها للاستقلال بالسوق المصرية، اقتصاديا، في تلك الفترة، مع تراجعها على المستوى السياسي في مشروعها لانتزاع الاستقلال السياسي لمصر، ودخلت البرجوازية في سلسلة طويلة من المفوضات مع الأحتلال البريطاني، عجزت فيها عن الحصول على الاستقلال السياسي المنشود. فقد حرصت الحركة الصهيونية في مصر علي إقامة علاقات وطيدة مع النخب السياسية وقادة الأحزاب المصرية، ما ساعدها علي تفعيل النشاط الصهيوني في مصر بقدر أكبر من الحرية، فعلى سبيل المثال نذكر حرص ليون كاسترو مؤسس فرع المنظمة الصهيونية في مصر عام 1917 وسكرتير لجنتها المركزية، على تقوية علاقة الصداقة بينه وبين زعيم الوفد، سعد زغلول لدرجة حيازته ثقة زغلول، مما جعل كاسترو متحدثا باسم “الوفد” في أوروبا، وكما رأس جريدة “La Liberte” لسان حال الوفد في ذلك الوقت، وفي هذا الأطار يذكر حرص الشخصيات الرأسمالية اليهودية المتزعمة للنشاط الصهيوني في مصر، علي إشراك عدد الوزراء والسياسين ورجال الأعمال المصريين معها في نشاطها الأقتصادي ، ويذكر على سبيل المثال أحمد صدقي وأحمد زيور ومدحت وعدلي يكن، وحافظ عفيفي، وأحمد فرغلي، وأحمد عبود وفؤاد أباظة، وإبراهيم عبد الهادي. لذا قد يكون من المفيد إستعراض نماذج العلاقات بين بعض النخب السياسية المصرية والحركة اليهودية لمعرفة طبيعة العلاقة وتأثير النشاط اليهودي على مصر( فتحي عبدالعظيم ، 2002 : 67 ).

فكانت من العلاقة التي تربط أحمد زيور باشا بالحركة اليهودية من القوة ما جعله لا يتحرج من المشاركة في احتفال الصهاينة بوعد بلفور حيث شارك زيور باشا عندما كان محافظا للإسكندرية في حفلتي منظمة الصهيونيين بمصر وجمعية زئير صهيون بصدور تصريح بلفور كما ذكر من قبل. علي أنه تولي زيور رئاسة الوزراء تأكدت تلك العلاقة بإرساله وفد مصري لحضور أفتتاح الجامعة العبرية في إبريل 1925، وكان رئيس الوفد المصري أحمد لطفي السيد مدير الجامعة المصرية في ذلك الوقت وقد صرح السيد بعد عودته انه ذهب بناء علي رغبة حكومة زيور باشا وأنه لم يذهب بصفته الشخصية أو لتمثيل الجامعة المصرية إذ أنه سبق ورفض الدعوة التي وجهت إليه فهو ذهب فقط من أجل حكومة زيور باشا التي دافع عنها قائلا “إن الحكومة لو أمتنعت عن المشاركة في هذا العمل العلمي لأتهمت بعدم مشارمتها في نشر العلم في الشرق الأدني والبلاد المجاورة”  ولا يعد ذلك غريبا علي حكومة زيور باشا التي تعبر عن مصالح مجموعة من كبار الأعيان والتي تشابكت مصالحها مع الرأسمالية الأجنبية ومنها شخصيات رأسمالية يهودية تعمل لصالح الحركة الصهيونية ( محمد رفعت الامام ، 2005 : 88 ).

أفرزت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) عدداً من الأغنياء الجدد الذين وصف ثرواتهم (عزيز بك الخانكي) بقوله: ” لا يمكن للعقل أن يدرك حجم الأرباح التي ربحها التجار، تجار الأقمشة والمنسوجات أصبح الواحد منهم يستنكف أن يقال عنه أنه صاحب 100 ألف جنية أو 200 ألف جنية ويؤكد أن ربحه ناهز المليون، أعرف واحدا منهم أشترى ألف فدان من الأطيان، ودفع ثمنها عدا ونقدا، وتجار الأخشاب مثلهم أصبح الواحد منهم يعتبر نفسه قارون زمانه، أشتري واحدا منهم البنك المصري بحذافيره، وتاجران من تجار التصدير ربحا في سنة واحدة 1.600.000 جنيها جلبها من عرق الفلاح المسكين” ( روت كميحي، 1999 : 108 ).

وكانت الحرب العالمية الأولي فرصة لظهور رأس المال المصري بشكل مغاير، حيث كان الكثيرون يفضلون العمل الزراعي فقط تاركين قطاع البنوك وأعمال المرابين للأجانب واليهود ولا يرحبون بالعمل في مجال التصنيع، غير أن توقف عملية التصدير والأستيراد أثناء الحرب دفعتهم إلي إخراج أموالهم ومدخراتهم والتعامل بها، حتي شهدت مصر نهضة صناعية مصغرة، وصار هناك أستعداد جدي لإنشاء بنك برأسمال مصري تتجمع فيه الأموال المصرية ( Speed , Richard , 1990 : 321 ).

الجزء الأول.

الجزء الثاني.

الجزء الثالث.

الجزء الرابع.

الجزء الخامس.

الجزء السادس.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى