سياسة وتاريخ

الرأسمالية اليهودية في مصر وبنك مصر (5)

مثلت الفترة من 1920 وحتى عام 1950 فترة هامة في الحياة الاقتصادية المصرية وهي مرحلة حاولت مصر أن تحقق التنمية الاقتصادية بالاعتماد علي آليات الاقتصاد الحر، وفي هذه الفترة ظهرت أسماء رواد جدد حاولوا أن يخوضوا تجربة الصناعة، وأن  ينقلوا الاقتصاد المصري من اقتصاد يعتمد على إنتاج وتصدير القطن الخام إلى اقتصاد يعتمد علي الذات في إنتاج بعض السلع الصناعية الأساسية مثل: السكر، والسماد، والزجاج، والنشا، والجلوكوز، والمنسوجات القطنية، والأسمنت، والحديد، وتجميع السيارات.

أولاً – دور اليهود في مجال البنوك في مصر 

 كان لليهود دور في مجال البنوك والبورصة وشركات التأمين حيث عمل اليهود في مهنة الصرافة، في أماكن مختلفة من أهمها ( حي الصاغة، ووكالة الصواريف، وعطفة المقاصيص)، وكانت العملات السائدة في مصر قاصرة علي الذهب والفضة، وأن جميع صيارفة النقود أبان الحملة الفرنسية 1798 هم من اليهود وسوقهم يوجد في خان الخليلي، وكان العاملين بالصيرفة في عهد محمد علي باشا هم من الأرمن بسبب حاجته إلي صرافيهم الكبار ليقترض منهم وينفق علي مشروعاته، لأنهم هم الذين يقومون بتمويل مشروعات الحكومة، ويتم اختيار الصيافة من قبل كبير الصرافين الأرمن الذي ينظم عملهم ويراقب حساباتهم الواردة إلى الخزينة ( سهام نصار ، 1998 : 204 ).

وعندما أساء الصيارفة الأرمن استخدام وظيفتهم وكثرت اختلاساتهم في أعمالهم أصد محمد علي باشا قرار عام 1828 أستبدلهم بصيارفة يهود وأقباط، ولكن عدم فهمهم للأساليب المعقدة في الحسابات أعاد محمد علي باشا الأرمن إلي العمل بجانبهم كما كانوا عليه سابقاً، وتزايد ثراء أعداد كبيرة من الصيرافين اليهود نتيجة تلاعبهم بإستخدام العملات الأوروبية (الفرنك الفرنسي والجنية الأنجليزي) في حركة التجارة الدولية، مقابل استخدام العملات المحلية في التجارة الداخلية، وبالتالي فإن قيمتها أقل من قيمة العملات الأخري فهي أكثر عرضة للتقلبات، وأكتسب الصيارفة اليهود سريعاً خبرة في مجال الصيرفة فأصبحت لهم خبرة تؤهلهم لتحديد قيمة العملة الفرنسية مقابل العملة البريطانية وباقي العملات كالذهب والفضة التي كانت تستخدم في مصر أنذاك، فأضافوا متاعب لمحمد علي باشا منها التلاعب بالعملة وترويج العملات المزورة مما كان له أثر علي العملة المصرية في وقت هي بأمس الحاجة إلي الثبات والأستقرار، وقد أتخذ محمد علي أجراءات مشددة لوقف التلاعب في أسعار العملات إلا أن ذلك لم يقضي علي تلاعب الصيارفة،وتوصل محمد علي باشا بالأتفاق مع التاجر الفرنسي (باستريه Pastrah) والتاجر اليوناني (توسيجه Tosejh) لتأسيس ( بنك الأسكندرية ) عام 1834، ولكن البنك لم يستمر لأكثر من عامين بسبب سوء إدارته، ومن جانب أخر لم يعتمد محمد علي باشا علي الممولين والصيارفة في الخارج لأنه يدرك أن ذلك بداية تحكم الممولين وساستهم في مصر، وبالتالي يتم القضاء علي أحلامه وطموحاته في تكوين دولة عصرية، فأعتمد علي الممولين الصيارفة في مصر الأرمن واليهود وخصوصا أن بعضهم يمتلك بنوك تمول تجارتهم ويعملون في التجارو أيضا، فقد عرض عليه روتشيلد قرضا قيمته أربعة ملايين جنيه بضمان الكمارك، لتمويل حملته علي بلاد الشام، ولكن محمد علي باشا رفض ذلك التمويل لأن شروطها مجحفة، وفيها إستغلال سئ للظروف، وبوابة للتدخل في شؤون مصر. وفي عهد الخديوي عباس قرب إليه اليهود وعين يعقوب قطاوي كبير الصرافين ومدير لدار سك العملة، كما عمل بعض الصيارفة في خدمة بعض الأعيان والأثرياء مثل يعقوب دي منشة (1810 -1883) الذي كان يعمل وكيلا لحسن باشا المنسترلي وصرافاً لمديرية الجيزة ( محمد سيد الكيلاني ، 2007 : 111 ).

ازداد نشاط اليهود المالي والمصرفي طيلة عهدي سعيد باشا والخديوي إسماعيل وعملوا في إدارة خزائن الأسرة الحاكمة وتزويدها بالقروض، وأحتفظ يعقوب قطاوي بمنصة كمدير لدار سك العملة وأمين الخزنة وتعيينه شيخاً للصيارفة وكبيرهم رسميا والتزام حلقات الأسماك والكمارك المصرية ، وخلفه (يعقوب منشة)، وعمل اليهود في البورصة فأنشأت في الأسكندرية (بورصة العقود) عام 1861 التي تعتبر من أقدم بورصات العالم، وتتعامل في القطن وبذرته والبضاعة الأجلة للعقود، إذ كانت البنوك تقرض المزارعين أو الفلاحين المصريين وتتلاعب في الأسعار مستغلين حاجتهم للمال، وأنشئت عام 1872 بورصة (مينا البصل) بالأسكندرية وهي سوق للبضائع أيضا، أتخذها الخديوي بمثابة سوق يباع فيها قطن أراضي الدومين التي كان يزرع فيها أغلبية القطن المصري، كما تباع فيها المحاصيل الزراعية الأخري، ويوجد الكثر من بيوت التصدير اليهودية التي توجد فيها مكاتب في بورصة مينا البصل مثل قطاوي وعندما ازداد عدد الأجانب في مصر وتحديدا في الإسكندرية عملوا علي تكوين بورصة الأوراق المالية التي تنظم عمليات بيع وشراء الأوراق (الأسهم والسندات) والأتجار فيها، وعندما أزداد مركز قوة اليهود في البورصة نشرت صحيفة الأهرام مقالات حول مدي الأضرار الجسيمة التي يلحقونها في الأقتصاد المصري ، ونهب أموال الناس لتحقيق ملذاتهم الشخصية، وخصت بالذكر (الخواجة روبينو) أحد السماسرة ، مما أثار السماسرة اليهود وقاموا بإحراق أعداد الصحيفة وأدعي (البارون فريد دي منشة) أحد السماسرة الكبار بأن للأهرام مصالح ذاتية في هجومها علي السماسرة ( Mosse , George , 2000 : 189 )

كان اليهود من أبرع السماسرة والمضاربين في السوق، ووظيفتهم حيوية في إدارة البورصة إذ يعمل في ترويج الأسهم والسندات من خلال الدعاية لها وهم بمثابة حلقة الوصل بين البائع والمشتري، وبلغ عدد السماسرة اليهود في بورصة القطن (45) سمسار منهم (14) في بورصة الأوراق المالية، وشهدت أوضاع اليهود أزدهاراً أكثر في عهد الخديوي محمد توفيق فعملوا في مجالات الصيرفة وإدارة البنوك، وتولوا عمليات الخصم والعمولة وتقديم القروض، وبعد الإحتلال البريطاني لمصر عام 1882 بدأ اليهود في إنشاء البنوك المالية، وساعدت الاصلاحات التي قام بها البريطانيون في مصر من خلال تأمين اليهود علي أرواحهم وممتلكاتهم علي سيطرتهم علي أعمال البنوك، وتبوأ بعض أفراد العائلات اليهودية المراكز الرئيسية والحساسة في البنوك والشركات الأستثمارية، كما طالبت الحكمة البريطانية الحكومة المصرية تنظيم دور البنوك حتي لا تؤثر في الاقتصاديين المصري والبريطاني، كما خشيت بريطانيا أثر رأس المال غير البريطاني علي زراعة القطن في وقت هي تمهد فيه لإحتكار القطن المصري، خاصة بعد إندماج البنوك الصغيرة التي قامتها عائلات (قطاوي ومنشة اليهودية) في علاقات وسائطية مع بنوك فرنسية وإيطالية وبلغت سيطرة اليهود علي قطاع البنوك بدرجة كبيرة، إلي الدرجة التي تغلق البنوك أبوابها في الأعياد والمناسبات الدينية اليهودية، وساهموا بدور كبير في إدارة البنوك سواء التجارية أو الزراعية أو بنوك عقارية.

وبذلك أصبح الرأسماليون اليهود يسيطرون على إدارة وتوجيه البنوك والشركات المالية والائتمانية التي كانت تتولي عمليات الخصم والعمولة وتقديم القروض مقابل التأمينات وبيع وشراء الأوراق المالية والسندات، كما قاموا بإنشاء شركات التأمين التي تعتبر أعمالها مكملة لأعمال البنوك بصفتها شركات لتجميع المدخرات التي تستثمر في مشروعات مختلفة، ومن أهم هذه الشركات (شركة التأمين الأهلية المصرية) التي تأسست عام 1900 بفرعيها الحريق والحوادث، والتأمين على الحياة، وبلغ رأسمال الفرع الأول 195.000 جنيه، بينما الفرع الثاني بلغ 100.000 جنيه، وتعد أول شركة للتأمين في مصر، شارك في إنشائها اليهود واليونانيين، ومركزها الرئيسي والإداري في الإسكندرية ولها فرع في القاهرة، ومن أبرز أعضاء مجلس الإدارة روبير رول، وأصلان قطاوي بك، وموريس نسيم موصيري، أما الجدول التالي يوضح أهم البنوك التي أسسها وساهم فيها الرأسماليون اليهود والتي لاقت رواجاً، والتي أدت دوراً  في تصفية الملكيات الزراعية ( Middebrook ,2003 : 55 )

وفيما يلي أسماء أبرز البنوك وأهم أعضائها اليهود ورأسمالها ونشاطها:

بنك موصيري

سيطرت عليه عائلات كورييل وموصيري وأبرزهم أيلي كورييل وفيلكس وموريس نسيم موصيري. استثمر البنك أمواله في الأعمال التجارية، وامتلك السندات المالية والعقارات، ومنح القروض.

البنك العقاري المصري

تأسس من قبل عائلات سوارس وقطاوي ورولو، وبلغت نسبتهم في المجلس 55% وبالأشتراك مع البنوك الفرنسية مثل بنك الكريدي ليونيه والكريدي فرانسيه. بلغ رأسماله عند التأسيس 40.000.000 فرنك فرنسي أي ما يقارب 51.200.000 جنيه مصري، ثم أزداد إلي 80 مليون فرنك أي ما يقارب من 102.400.000 جنيه مصري بقرار من الجمعية العمومية لكي يتمكن من إصدار سندات جديدة لقيامة بشراء أراضي (الشركة المصرية للدائرة السنية). مركزه الرئيسي في القاهرة والإسكندرية وتأسس بقرار من الخديوي توفيق وأعطي أمتياز لمدة 99 عاما، ولم يقتصر نشاط البنك علي عمليات الأقراض لملاك الأراضي وأصحاب العقارات، بل منح رخصة أقراض المديريات والبلديات والجمعيات التابعة للحكومة، ويمنح قروض طويلة وقصيرة الأجل، وبلغت عدد القروض التي قدمها البنك للملاكين الزراعيين المصريين (14.653) قرضا قيمتها 52.500.000 مليون جنية بتأمين 1.151.423 فدانا، وبلغت أرباحه عام 1910 1.655.331 جنية وتحت تصرف البنك بنفس العام حوالي مليون فدان قيمة القروض التي كان يمنحها للفلاحين مما جعل له دور في إقتصاد مصر الزراعي بتلك الفترة.

بنك سوارس

نجار سوارس رئيسا للمجلس وادجار سوارس وكارلو سوارس ويوسف قطاوي، وبلغت نسبتهم في المجلس 94% كانت نسبة عائلة سوارس لوحدها 40%. وصل رأسمال الشركة إلي 55.000 جنية وحقق أرباح قدرها 6.486 جنيها مصريا.

كان مركزه في الإسكندرية في 5 شارع كنيسة دباته قسم العطارين وله فرع في 48 شارع قصر النيل وفرع ثالث في طنطا، وتركز نشاط البنك في أقراض الموظفين بضمان رواتبهم بفوائد مرتفعة جدا أدت إلي إضطرار معظم الموظفين إلي بيع أثاث بيوتهم لسداد هذه الديون.

البنك الأهلي المصري

رفائيل سوارس حصل على امتيازه، وروبير رولو وفيكتور هراري باشا مندوب الحكومة المصرية في البنك وموسى قطاوي وكارل مانير، وليون كرارس، وأشتري الثري البريطاني (أرنست كاسل) أسهما وأنضم إليهم اليوناني كونستانتين ميشيا

بلغ رأسماله مليون جنيه مصري موزعة في 100 سهم، وزاد عام1900 إلي 1.462.500 جنيها مصريا وفي عام 1903، أرتفع إلي 1.950.000 جنيها مصريا، وفي عام 1904 بلغ 2.437.500 جنيها مصريا ثم 2.928.000 جنية مصري أي ما يقارب من 3 ملايين جنيه إنجليزي في عام 1905.

مركزه الرئيسي في القاهرة، وكان بمثابة البنك المركزي للدولة وأصبح باستطاعته إقراض الحكومة المصرية وجكومة السودان، ومن أنشطته أقراض مقابل رهون في المجال الزراعي وتمويل المشروعات في الشركات الزراعية والعقارية، وشراء المحصول وتسويقه وبناء قطاعات التقل، وترجع خطورة هذا البنك إلي تحكم اليهود في 75% من رأسماله ةأحتواء الربع الأخير منه، وبدلا من أن ينصرف أثرياء المصريين عن مثل هذا البنك تماشيا مع الأتجاه الوطني المعارض للأحتلال البريطاني لمصر، حدث العكس إذ تهافت الأثرياء علي هذا البنك لإيداع أموالهم فيه كما أن الحكومة المصرية كانت أيضا تودع أموالها فيه رغم أن هذا البنك وغيره يرسل الأموال إلي بلدانها الأصلية لكي تستثمرها في أنعاش الصناعة ولم يكن لإيداعات المصريين أي فوائد، كما أستطاعت بريطانيا عن طريق هذا البنك التحكم في الذهب المصري والتحكم في السيطرة على النقد المصري.

البنك الزراعي المصري

تملكه عائلات سوارس وقطاوي ومنشة وموصيري و رولو. بلغ رأسماله  2.500.000 جنية مصري وفي عام 1908 بلغ 15.140.000 جنيه مصري. تأسس بهدف أقراض أموال بشروط ميسرة لصغار المزارعين الذي كان معتمدا علي القطن بدرجة كبيرة وكانت القروض عباره عن نوعين قروض صغيرة لا تتجاوز قيمة القرض 20 جنيه مصري ويكون الضمان للبنك عباره عن كمبيالة المقترض علي أن يسدد المبلغ خلال (15) شهرا، وقروض كبيرة لا تتعدي قيمة القرض 500 جنيه مصري والضمان عبارة عن رهن لأي شئ يملكه المقترض سواء كان أرضا أو عقارا علي أن تساوي قيمته ضعف المبلغ ويتم التسديد وفق أقساط سنوية لا تتعدي عام ونصف، وتم تأسيس هذا البنك بأيعاز من اللورد كرومر لتخليص الفلاحين من ضغوط المرابين ولكن الفلاحين لم يستجيبوا للتعامل مع هذا البنك ويفضلون التعامل مع المرابين اليهود لأنهم يضعون شروط أقل من البنك وطريقة تعامل المرابين هو أمر لم يعتاد عليه الفلاحين.

بنك الأراضي المصرية

أبرو أعضائه أميل نسيم عدس، جوزيف أجيون، إيلي موصيري. بلغت جملة رأسمال الأسهم والسندات عام 1910 (4.219.793) جنية مصري. تأسس بفرمان خديوي بأمتياز لمدة 99 عاما وكان مركزه الرئيسي في الإسكندرية والقاهرة، وأعتمد نشاط البنك علي الأقراض برهونات عقارية، وعلي الأقراض للملاك وللمزارعين علي أجال طويلة وقصيرة.

البنك التجاري المصري

شاركت عائلات قطاوي وسوارس وكان جاك سوارس وجوزيق قطاوي من أبرز أعضاء مجلس إدارته. بلغ رأسمالة 317.000 جنية مصري تقريبا. عرف أثناء تأسيسة عام 1905 بأسم (بنك التسليف الفرنسي) وأعيد تأسيسه عام 1923 بإسم البنك التجاري المصري وأضطر إلي تخفيض رأسماله في حالات الركود والأزمات الأقتصادية.

يتضح من خلال ما سبق دور العائلات اليهودية في تأسيس أو مشاركة الأجانب في إنشاء البنوك التجارية والعقارية والزراعية بتأثير من البنوك الفرنسية أو الألمانية، والتي بلغ رأسمالها مبالغ ضخمة مثل البنك العقاري المصري الذي ازداد رأسماله إلي (100) مليون مما شكل الأثر الخطير من خلال إحكام سيطرة بريطانيا علي الإقتصاد المصري، وكانت البنوك تمنح القروض القصيرة والطويلة الأجال على أقساط وهذه الديون مضمونه عقاريا علي المزارعين المصريين وخاصة كبار الملاك، قد وقعت تحت سيطرة هذه البنوك، وكانت هذه الديون يطالب البنك العقاري المصري وبنك الأراضي وبنك الرهونات المصري بحوالي 70% منها مما يؤدي إلى نزع الملكيات الزراعية المصرية لحساب البنوك التي يشارك أو يسيطر عليها اليهود، وهذا يمثل تصفية للملكيات الزراعية المصرية بعد تصفية الدائرة السنية والدومين العام علي يد البنك العقاري للفترة (1880 -1905) ( Shephard , 2001 : 66 ).

الجزء الأول.

الجزء الثاني.

الجزء الثالث.

الجزء الرابع.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى