سياسة وتاريخ

الرأسمالية اليهودية في مصر وبنك مصر (4)

أدركت الحركة الصهيونية مدى أهمية الطائفة اليهودية الموجودة في مصر، وعلقت الكثير من الآمال عليها باعتبارها عوناً وسنداً للحركة الصهيونية خلال المرحلة الأولى من بناء الدولة، وذلك نظراً لما تمتع به اليهود في مصر من قوة اقتصادية تتعاون مع الحركة الصهيونية في تثبيت وتحقيق أهدافها في فلسطين، وكذلك إعداد جيل محنك من اليهود الصهاينة في مصر يكون لديه من الحنكة والقدرة علي لعب دور حيوي مستقبلا في الدولة المرتقبة. ومع تنامي حركة الوجود اليهودي في مصر مع بدايات القرن العشرين ، شهدت مصر هجرة العشرات من الأثرياء اليهود الذين كانوا الأساس فيما بعد لطبقة من الرأسماليين، تمكنت من إحكام قبضتها علي مختلف فروع النشاط الأقتصادي في مصر، وهو الأمر الذي كان بمثابة سمة مميزة للبناء الأقتصادي المصري طوال النصف الأول من القرن العشرين، وبطبيعة الحال كان وضع اليهود الأقتصادي في مصر كغيرهم من الأقليات مثل الأقباط والأرمن يشهد حالة من الرخاء والنمو والأزدهار بسبب الواقع المصري، الذي سهل لهم ذلك في هذا الوقت ( Panayi , Panikos , 1991 : 157 )

شهدت تلك الفترة استمراراً لحالة المنافسة الاقتصادية خاصة بين اليهود والأرمن، خاصة حينما سيطر الصيارفة الأرمن نسبياً علي النشاط المصرفي الحكومي وغيره خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ثم نشاط الصيارفة اليهود بعد ذلك خلال النصف الثاني بأحتكارهم الصيرفة والبنوك وصناعة الأقمشة، الأمر الذي دفع الأرمن من الأعراب عن قلقهم من تدفق العناصر الأوروبية التي كانت تهدف إلي تحقيق المكسب السريع، وكان الأرمن يدركون أن كل زيادة في نفوذ هذه العناصر تعني إضعاف شأنهم، وسرعان ما لمع إسم الرأسماليين اليهود في مصر، وكان من بينهم “فيكتور هراري” الذي شغل منصب رئيس مجلس إدارة العديد من البنوك والشركات وكذلك “موريس منشة”، وسيطر أفراد عائلته علي تجارة الحرير والمنسوجات و “جوزيف سلامة” الذي أحتكر تجارة القطن في زفتي وميت غمر، و “موريس جاتنيو” الذي أحتكر تجارة الفحم وأدوات السكة الحديد، وشارك كذلك في تأسيس العديد من المنشأت اليهودية والجمعيات الصهيونية في مصر، ووصل نشاط الرأسمالين اليهود حتي بلغ حجم السيطرة علي الشركات المساهمة لأكثر من 103 شركات من مجموع الشركات البالغ عددها نحو 308 شركة في عام 1942، فضلا عن نشاط فردي شمل كافة الأنشطة الإقتصادية( جميل عرفات ، 2005 : 49 ).

لم يتوقف نشاط الرأسماليين اليهود عند المجال الاقتصادي فحسب، بل كان لهم دور بالغ الأهمية خاصة مع بداية الأربعينات، تمثل في لعب دور همزة الوصل بين اليهود في مصر، والمنظمة الصهيونية في فلسطين، ولأجل ذلك قام كبار الرأسمالين اليهود بتنظيم حفلات في منازلهم حضرها العديد من رموز الحركة الصهيونية، وجاء علي إثرها التوصل لاتفاقيات عدة من ضمنها تشكيل لجنة للدعاية ونشر الأفكار الصهيونية بين يهود مصر(نبيل عبد الحميد ، 1999 : 76 ) .

كان ذلك النشاط بمثابة إمتداد لنشاط صهيوني واسع داخل مصر، خاصة في مدينة الإسكندرية التي شهدت في بدايات القرن العشرين تأسيس جمعية “بني صهيون” عام 1908 والتي أندمجت عام 1909 في جمعية “زئير زيون” وأنتشرت الأفكار الصهيونية أنتشارا واسعا بفضل هذه الجمعيات وأرتفع عدد المنضمين إليها ليصل إلي المئات من اليهود، وبعد صدور وعد “بلفور” كان لنشاط المنظمة الصهيونية العالمية تأثيرا واضح علي هذه الجمعية، وراحت تجهر بدعوتها لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وتساهم في سبيل ذلك بالمال والدعاية، فضلا عن نشاط هذه الجمعية، عقد عدد من كبار الرأسماليين اليهود في الإسكندرية، وعلي رأسهم البارون فيلكس منشة وفيكتور ناجيار وجوزيف دي بتشوتو اجتماعا في 12 أغسطس أعلن فيه البارون منشة وجوب تكوين لجنة تهدف إلي لم شمل كافة الجمعيات اليهودية من أجل الأهتمام بكل ماله صلة بفلسطين، وألقي خطابا تحدث فيه عن وجوب دعم الجامعة العبرية في فلسطين والمساعدة في توطين اليهود وغير ذلك من النشاطات الداعمة للصهيونية. ووصل نشاط الرأسمالية اليهودية في الإسكندرية إلي حد عقد اجتماع بحضور الدكتور حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، شرح من خلاله المتطلبات العاجلة التي تريدها الصهيونية في فلسطين، ودعا كذلك الحضور لتكثيف دعمهم لليهود في فلسطين، وتمخض عن الأجتماع الإعلان عن إكتتاب لدعم يهود فلسطين، فسارع يهود الإسكندرية إلي التتبرع وبلغ قيمة المشاركات في بضعة أيام أكثر من عشرة آلاف جنية مصري، وتوالت النشاطات بدون توقف. قد يختلف البعض في حقيقة إذا ما كان نشاط الرأسماليين اليهود في مصر ذو طابع فردي أم ذو طابع رسمي تنظيمي ( محمد حسنين هيكل ، 1999 : 189 ).

وحتى وإن ذلك فإنه كان نشاطا واضح المعالم يصبوا لخدمة الصهيونية في فلسطين والتعضيد من نشاطها، ويوجز الكاتب “أنس مصطفي كامل” الرأسمالية اليهودية في مصر بقوله ” أنها لم تكن مصرية سواء في جذورها أو استمرارها بل ولم تحاول أن تتمصر حتي حينما عرض عليها ذلك وحتي القطاعات التي كانت مصرية من البرجوازية الصغيرة المتوسطة اليهودية تبرأت من جنسيتها المصرية وأقترنت بالجنسية الأجنبية، ولم تتمصر إلا حينما أضطرت لذلك بعد إسقاط الجنسية العثمانية عنها، وبالتالي لا يمكن الحديث عن الرأسمالية اليهودية إلا كفرع للرأسمالية الإمبرالية أو ما يمكن أن نطلق عليه إمبرالية وسيطة سواء قبل قيام الكيان الأسرائيلي أو بعده، وكانت هويتهم الصهيونية الأسرائيلية الأستعمارية وخاصة لتستقطب القوي البرجوازية الصغيرة والبروليتاريا اليهودية، كذلك كانت الشبكة الرأسمالية محكمة البناء ودعمتها الطبيعة الدينية اليهودية والتي كانت تجعل منهم تجمعا منفردا ينظر للآخرين من فوق خاصة المصريين المحليين ( أنس مصطفي كامل ، 2002 : 177 ).

ويضيف قائلا “راحت الرأسمالية اليهودية تنظم وعيها الأيدولوجي الصهيوني إلى أقصي حد وعملت علي تثبيط الوعي القومي في مصر، مستغلة في ذلك دوافع المصلحة الشخصية وضيق الأفق السياسي لدي قيادات الرأسمالية المصرية من أحزاب تصل دائما للسلطة بحكم مصالحها مع الاستعمار البريطاني.

الجزء الأول.

الجزء الثاني.

الجزء الثالث.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى