سياسة وتاريخ

الرأسمالية اليهودية في مصر وبنك مصر (3)

سعت الحركة الصهيونية للاستفادة من النشاط اليهودي في مصر بأقصى درجة، وذلك منذ مطلع القرن العشرين، ومنذ بداية توافد المئات من المهاجرين اليهود القادمين من الشرق والغرب، خاصة في أعقاب اندلاع الحرب العالمية الأولي، كما بدأ يتدفق على مصر سيلاً من المهاجرين اليهود، وكان معظمهم من اليهود الروس، كمحطة ترانزيت في طريقهم نحو الاستيطان في أرض فلسطين، وكان السعي لجعل مصر قاعدة دعم لوجستي لهذا الاستيطان وللصهيونية وأفكارها.

تعددت طرق الاستفادة الصهيونية في مصر واليهود الذين عاشوا بين ظهرانيها، وراحت تكرس لوجود رأسمالي يمكنها من تحقيق ما تصبو إليه من أهداف، ومن بين محاولات إستغلال التحولات السياسية التي شهدتها مصر في ذلك الوقت والسعي الدائم للأقتراب من النخبة السياسية ورجالات الحكم لتكريس النشاط الصهيوني وزيادة وطأته، وبين تأسيس مؤسسات وكيانات اقتصادية قوية ساهمت بقدر كبير في دعم هذا النشاط، كانت المحاولة دائما للسيطرة علي الأعلام وأدواته في مصر، إما ليكون داعما أو محايداً أو متغافلاً عن النشاط الصهيوني في فلسطين (عواطف عبدالرحمن ، 2012 : 79 ).

وهنا نلقي الضوء على كيفية استغلال الرأسمالية اليهودية في مصر لنفوذها وقوتها المادية في تحييد النخبة الثقافية في مصر خلال الفترة من عام 1945 وحتي عام  1948، وذلك من خلال تأسيس “دار الكاتب المصري” للطباعة والنشر والتي قامت بإصدار إحدي أهم المجلات الأدبية المصرية في ذلك الوقت، وهي مجلة “الكاتب المصري” التي ترأسها عميد الأدب العربي طه حسين، ولا تحاول الدراسة توجيه النقد أو الأتهام لطه حسين أو من كتبوا معه في المجلة، أو الأدعاء بأنه كان بمثابة أداة في يد الصهيونية أو التشكيك في وطنيتهم المصرية الخالصة، وهي التهمة التي حاول أن ينفيها عنه أكثر من باحث، بل وجدوا فيه المدافع عن فلسطين وأرضها وداعما لحقوقها، بقدر ما تحاول السير في أغوار النشاط الصهيوني في مصر، خلال تلك الحقبة المهمة من تاريخ مصر ومعرفة أهدافه ودوافعه وكيفية تكريسه للوجود اليهودي في مصر لخدمة مصالح الصهيونية ( أمل فهمي ، 2002 : 89 ).

وقد كان لليهود دوراً في الرأسمالية الوطنية في مصر، بدءاً من التوسع في استخدام الصحافة اليهودية في مصر لحساب الصهيونية، ثم مرحلة ممارسة الضغوط والتدخل في محتوى ما تنشره الصحافة الوطنية المصرية ، لتصل إلى المحطة الأخيرة لمرحلة تطويع النخبة الثقافية والسعي لتحييدها، وتجلي عن ذلك من خلال تناول طبيعة نشاط مجلة “الكاتب المصري”. وتسعى الدراسة قدر الإمكان للحديث عن هذا الدور المحوري الذي لعبته الرأسمالية اليهودية في مصر، بعيدا عن تكرار الحديث عن قضايا جدالية تتعلق بما أعتبره البعض إنزلاقا لنخبة من المثقفين في مصر في خدمة الأهداف الصهيونية في المرحلة التي سبقت نكبة فلسطين ( عادل عز الدين ، 2014 : 211 ).

الجزء الأول.

الجزء الثاني.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى