سياسة وتاريخ

الرأسمالية اليهودية في مصر وبنك مصر 2

أ ) الاحتلال البريطاني لمصر 

جاء الاحتلال البريطاني لمصر منذ عام 1882م كنتيجة طبيعية لضعف الخديوي والاضطرابات السياسية التي سبقته وما حل بالبلاد من النهب علي أيدي المرابين والممولين الأجانب الذين كانوا أغلبهم من اليهود حاملي الجنسيات الأجنبية.

وقد أدى النمو الاقتصادي في فترة السيطرة البريطانية إلى تحسن كبير لموقف اليهود الاقتصادي في البلاد، وسياسة الإدارة البريطانية تجاه الاقتصاد المصري إبان احتلالها لمصر (1882 – 1914 )، وبينما كان اليهود في الماضي يزاولون المهن التقليدية والحرف البسييطة، فقد حدث تطور كبير في مزاولة تلك المهن، فقد قدم اليهود عدداً من الموظفين العاملين في مجال الشئون المالية والإدارية وكان لهم تأثير كبير في تولي المناصب الرئيسية والمهمة في البنوك وشركات التصدير والإستيراد المصرية وإدارة الأعمال، وبذلك يتضح أن الاحتلال البريطاني كان سنداً قوياً ودامة هائلة لأصحاب رأس المال من اليهود ( مصطفي الخطيب ، 2004 : 28 ).

ب ) تسامح الحكومة المصرية 

وجد كثير من اليهود نوعاً من التسامح من قبل الحكومة المصرية باعتبارهم وكلاء للبيوت المالية الأجنبية، وخير دليل على ذلك التسامح الكبير، أن أحد اليهود أورد في رسالة خطية عام 1918 يُعبر فيها عن شعوره بالامتنان تجاه الحومة المصرية التي لم تمانه مطلقاً في تقديم كل التسهيلات القانونية للمهاجرين اليهود، وقد ترتب علي سياسية التسامح تلك، مزيداً من الأمن والإستقرار لم يجده اليهود في أي بلد حملوا جنسيته ولاقوا فيه سياسة التفرقة والاضطهاد من البلاد التي هاجروا منها، الأمر الذي يوضح بأنه لم يحدث أي اضطهاد أو معاملة سيئة من جانب المصريين بصفة عامة.

ونجد أن الحكومة المصرية لم تتدخل في حياة اليهود أو فرض نمط سلوكي لهم سواء في الإقامة أو فيما يخص الطائفة، حتيى أن المحاكم التي أنشأها اليهود أعطتها الحكومة كافة الصلاحيات للنظر في كافة القضايا التي تخصهم باستثناء القضايا الجنائية، وكنتيجة لمناخ التسامح، نجد أن اليهود حتي غير المتمتعين بالجنسية المصرية حرصوا على إعادة استثمار رؤوس أموالهم في مصر، ولعبوا دوراً في إنتاج رأس المال الوطني وقد نتج عن ذلك تملكهم ثلث الشركات المسجلة في مصلحة الشركات في ظل الاقتصاد الحر الذي كان يتيح حرية التملك ( عبدالوهاب المسيري ، 1999 : 78 ).

ج ) نظام الامتيازات الأجنبية 

استمر اليهود يلاقون الدعم من قبل الحكومة المصرية، ففي عام 1915م وأثناء طرد الوالي العثماني ” جمال باشا ” لليهود من فلسطين ، هاجرت أعداد كبيرة إلي مصر وقد بلغ عددهم حوالي 12 ألف يهودي، فأمر السلطان المصري حسين كامل بمنحهم إعانات مالية وصلت إلي 100 ألف جنية مصري ، كما أصدر مرسوماً ببناء مستشفي خاص لهم تم افتتاحها عام 1926م ، ومنذ تلك الفترة تم البدء في إنشاء العديد من المدارس اليهودية في مصر.

ويتضح مدى استفادة اليهود من نظام الامتيازات عند صدور قانون الجنسية المصرية في 26 مايو 1926، فقد امتنع الكثيرون منهم عن التجنس بالجنسية المصرية، وقد استمر العمل بنظام الامتيازات حتى عام 1937م عندما دعت الحكومة المصرية حكومات الدول صاحبة الامتيازات إلي عقد مؤتمر في مونترو بسويسرا والذي أسفر عن موافقة مندوبيها في 8 مايو 1937 علي إلغاء الامتيازات.

د ) الهجرة اليهودية 

كانت الهجرة اليهودية إلي مصر أحد العوامل التي أدت إلي استحواذ اليهود علي الاقتصاد المصري في ظل سياسة بريطانيا تجاه الاقتصاد المصري والامتيازات التي مُنحت للأجانب، فقد اجتذبت تلك الامتيازات بعض يهود تركيا وسوريا بعد تدهور الوضع الاقتصادي فيها، كما اجتذبت الآلاف من يهود تركيا الذين فروا من المذابح إبان ( 1914 – 1918 )، فضلاً عن المهاجرين من أوربا والذين كانوا يملكون الجنسية الأوروبية التي سمحت لهم بالتمتع بحماية قنصليات الدول التابعين لها، وقد بلغ عدد اليهود في مصر عام 1917م حوالي 58.581   ألف يهودي ، وبحلول عام 1937م إزداد عدد اليهود في مصر ليصبح 63.550 ألف يهودي (حمدي توفيق، 2009 : 103)

ه ) طبيعة المجتمع المصري وتفضيل الشباب المصري للعمل الحكومي عن العمل الحر 

من بين العوامل التي أدت إلى سيطرة اليهود على الاقتصاد المصري هو تفضيل الشباب المصري للعمل الحكومي عن العمل في الأعمال الحرة والتجارية، ففور تخرجه وإنهاء دراسته فهو يسارع في الإلتحاق بالعمل الحكومي الذي يمنحه راتباً مضموناً ، ولم يتجه الكثير من المصريين نحو الاستثمار أو التجارة، مما ترتب عليه احتكار اليهود للنشاط التجاري، وقد استمر الوضع علي ماهو عليه حتي عام 1936م عندما اتجه الوطنيون المصريون إلى العمل الاقتصادي بهدف طرد الأجانب وتمصير الاقتصاد المصري.

و ) ارتقاء اليهود بالتعليم 

انخرط اليهود في المقام الأول بالمهن الحضرية الماهرة مثل التجارة والمالية مع حدوث تحول كبير في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والذي برز في مجال التعليم واتجهوا نحو محو الأمية علي نطاق واسع لتوجيه الشباب اليهودي نحو العمل في مجال الاقتصاد والبنوك والمالية علي نطاق واسع، ووصل الأمر إلي ذروته عام 1924م عندما عُين أول وزير يهودي للمالية في الحكومة المصرية وهو ” يوسف قطاوى ” ( سوزان قادر ، 2005 : 40 ).

اطلع على الجزء الأول من هنا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى