سياسة وتاريخ

الرأسمالية اليهودية في مصر وبنك مصر (1)

المفاهيم الأساسية والإطـــار النظري

سوف يتناول الباحث فى هذا الفصل المفاهيم الأساسية والإطار النظري للدراسة بالشرح والتوضيح فيعرض الباحث الرأسمالية اليهودية في مصر في الفترة مابين ( 1920 – 1939 )، وكذلك دور اليهود في الاقتصاد المصري حيث تعاظم دور اليهود في الاقتصاد المصري نظراً لأنهم لاقوا الدعم من قبل الحكومة المصرية والإدارة البريطانية، وتمكنوا من العمل في شتى المجالات من النشاط الاقتصادي مثل التجارة والصرافة والاستثمار، واستمر الحال إلى عقد الثلاثينيات من القرن العشرين بعد إلغاء الامتيازات الأجنبية عام 1939، كما سوف يتناول الباحث في هذا الفصل الدعوات لإنشاء بنك وطني مصري ” بنك مصر ” وذلك علي النحو التالي  :

 المبحث الأول: الرأسمالية اليهودية في مصر 

دخلت مصر في القرن التاسع عشر معترك حركتي رؤس الأموال والتجارة الدولية فاتسمت بنيتها الاقتصادية بالارتباط الشديد بكل من فرنسا وبريطانيا، وقد تعرضت فرص تشكيل رأس المال الحقيقي في مصر إلي الضرر من جراء ذلك الإرتباط والذي كان من أهم سماته الحرية المطلقة في عمليات تحويل العملات علي أساس الذهب فضلاً عن قيام البنوك الأجنبية المتواجدة في مصر بتحويل أرباحها ورؤوس أموالها إلي بلادها الأصلية بعد إنتهاء السنة المالية ، في الوقت الذي سعي الرعايا الأجانب في مصر للإحتفاظ بأموالهم في باريس ولندن، بينما فضل الرعايا اليهود استثمار أموالهم في مصر.

ولقد برز دور اليهود الاقتصادي في مصر منذ 1880، إذ كان لهم صلة وثيقة بالدوائر الحاكمة التي كانت تمولها وتقدم لها الدعم اللازم ، فضلاً عن دعمهم للمشروعات الصناعية التي تم إنشاؤها في تلك الفترة وخاصة أن الكثير من المصارف والبنوك كان ملاكها من اليهود، وقاموا أيضا بشراء مساحات واسعة من الأراضي بموجب القانون الذي أصدرته الحكومة المصرية عام ( 1885م ) والذي سمح للأجانب بإمتلاك الأراضي، وقاموا بتأسيس العديد من الشركات والبنوك لإستغلالها والسيطرة عليها، ومن هنا سوف نسرد في السطور التالية مدي تأثير اليهود علي الاقتصاد المصري،  الرأسمالية اليهودية في مصر والعوامل التي أدت إلي سيطرة الرأسمالية اليهودية في مصر بشيء من التفصيل.

أولاً: تأثير اليهود على الإقتصاد المصري

أدى يهود مصر دوراً اقتصاديا كبيراً في تاريخ مصر إذ كانوا المسيطرين على الاقتصاد المصري إلى جانب المسيحيين، وسبب سيطرتهم هذه تعود إلي عملهم في الربا الذي حرمه الدين الأسلامي ، والسبب الثاني تمتعهم بنظام الأمتيازات الأجنبية، وما يوفره هذا النظام من إعفاء تام أو شبه تام من الضرائب، فضلا عن ذلك إمتلاكهم موارد مالية عن أبائهم وأجدادهم، وعملهم في مهن يعتقد المسلمون بأنها لا تناسبهم إجتماعيا مثل الحياكة والصباغة وغيرها ، وقد اتي ايضا الدور المالي لليهود في مصر في (الضرائب – القروض – البنوك – البورصة – شركات التأمين) وترك أنشطتهم الاقتصادية الأخري لأوقات أخري ، إذ كان يهود مصر إلي جانب الأقباط هم جباة الضرائب في مصر وبالأخص إبان الحملة الفرنسية (1798- 1801) ، أما فيما يخص دورهم في القروض فقد قامت بعض العوائل اليهودية بإقراض الحكومة المصرية الكثير من القروض وأنقذت ميزانية الدولة من الأنهيار، كذلك كان لهم دورا مهما في تأسيس البنوك وشركات التأمين (سهام نصار ،2006 : 88  )

عمل اليهود في المجال الاقتصادي كالصياغة والتجارة والصيرفة وتقديم القروض، وسبب اشتهارهم بهذه المهن هو تخوف المسلمين من الربا الذي حرمته الشريعة الأسلامية ، كما سيطر اليهود علي الجمارك سيطرة مطلقة في مصر، وعندما جاء نابليون بونابرت إلي مصر واجه مشكلة معقدة في الأمور المالية وجباية الضرائب خاصة بعد فرار المماليك المباشرين بالشؤون الضريبية، وأنه كان بأمس الحاجة إلي المال لإمداد احتياجات جيشة، فقام بتنظيم الأمور المالية من خلال جمع المال من الضرائب التي فرضها علي المصريين وقام أيضا بتعيين الفرنسي (بوسيلج  ( Poussielegue مديراً  للشؤون المالية والإدارية، وتعيين موظفين أقباط مباشرين لجباية الضرائب ووكيل فرنسي لكل مباشر لمراقبته ، فتذمر المسلمون من تلك الأجراءات ورأوا أن الاحتلال الفرنسي ليس أفضل من حكم المماليك خاصة بعد أن أشتد عليهم جمع الضرائب ، خصوصا أن الضرائب كانت باهظة ولم تعف أحد مما أثقلت كاهل الشعب المصري ، فكانت سبباً مباشراً لأندلاع  ثورة القاهرة الأولي 1798 ( علي شلش ، 2005 : 90 ).

عندما تسلم عبد الله جاك مينو عام 1801 قيادة الجيش الفرنسي بدأ بإدخال الإصلاحات اللازمة في شؤون الادارة وأول عمل عني به تنظيم مالية الحملة بتأليف هيئة إدارية للإشراف علي حساب الإيرادات والضرائب وضبطها، إلا أن ذلك لم يمنع محصلي الضرائب من السرقة ، وذكرت الوثائق الفرنسية أنه قام بتوحيد الضرائب الواجبة علي المصريين في ضريبة واحدة لتصل بكاملها إلي واردات الجيش الفرنسي، وأسند هذه المهمة إلي اليهود لمعرفتهم الكبيرة بالنظام المالي والضريبي وخبرتهم في تقدير الرسوم المفروضة علي الأسواق، وما يأتي إلي الأسكندرية من البضائع أو يخرج منها برا وبحرا وجمعها من التجار، ومن هنا يتضح دور اليهود في مصر من الناحية الأقتصادية بالنسبة للفرنسيين ( أحمد محمد غنيم ، 2011 : 123 ) .

 اشتد عبد الله جاك مينو في فرض الضرائب الفادحة علي مختلف الحرف والطبقات في مصر كافة، وأكثرها في مدينتي القاهرة والأسكندرية، وشملت تلك الضرائب اليهود وجميع المصريين، وفرض على اليهود أن يدفعوا ثلاثين ألف دينار ضريبة سنوية، وبعد قيام ثورة القاهرة الثانية عام 1800، أصدر مينو إلي حاكم أسيوط الجينرال (دونزلو Donzelo ) أمرا بفرض مبلغ من المال قدره خمسة ملايين علي جباة الضرائب في القاهرة لمعاقبتهم جراء مشاركتهم في الثورة، فقام تلك الجباة بجمع الأموال من الفلاحين، مما أدي إلي أستياء عبد الله جاك مينو من تصرفهم وفرض ضريبة أستثنائية علي الدخل السنوي للجباة، لأنه لم يرغب في جعل سكان الريف يدفعون ثمن تمرد سكان القاهرة والقضاء تماما على مثل هذه الممارسات المجحفة، وطلب من الجينرال دونزلو أتباع سياسة الحزم والشدة والعدل والأنسانية تجاه الأقاليم التي يحكمها، خصوصا أقليم المنيا الذي جمعت فيه ضرائب كثيرة مفروضة علي سكان المدن وليس علي الأرياف ( هاجر هلال ، 2001 : 120 ).

ساعدت سياسة التسامح الديني التي أتبعها محمد علي باشا (1805 -1848) على تخفيف الضرائب علي اليهود شيئا فشيئا ، وأتسع نفوذهم الأقتصادي كثيرا مما شجع علي قدوم يهود جدد من الدول الأوروبية بأعداد كبيرة إلى مصر، وطبقا لنظام الأمتيازات الأجنبية الذي كان معمولا به في أجزاء الدولة العثمانية، أصبحوا يتمتعون بما يشبه أمتيازات أقليمية ويرجع ذلك إلي تقربهم من محمد علي باشا مستغلين أزدياد ضغوط الدول الأوروبية عليه وحروبه في الشام خاصة بعد عام 1834 وحاجتهم للدعم الدولي، وفي عهد عباس باشا الأول (1848- 1854) لم تشهد مصر تطورا كبيرا في الأقتصاد المصري، ويرجع ذلك إلي قلة طموحه وكرهه للحضارة الغربية والأوروبيين، فبقيت الرأسمالية اليهودية قائمة متمثلة في وجود العائلات اليهودية الثرية مثل عائلات (موصيري، رولو، قطاوي، سوراس، منشة) والتي كان لها دورا بارزا في الأقتصاد المصري ( أحمد منصور النوافي ، 2014 : 23 ).

عندما تسلم محمد سعيد باشا (1854- 1863) الحكم كانت مصر تعيش حالة اقتصادية جيدة إذ لم يكن عليها ديون خارجية، وكانت إيرادات الحكومة كافية لمواجهة النفقات وأستثمارها للإصلاحات الداخلية ( حلمي النمنم ، 2006 : 9 ).

بدأت الأزمة المالية في مصر بشكل واضح منتصف عام 1858 وارتفعت ديون مصر للتجار الأجانب واليهود إلي ما يقارب من المليون جنية فحاول سعيد باشا الحصول علي قروض خارجية و لما رفضت الدولة العثمانية منحه الأذن للأستدانه بحجة أنه لا ضرورة لهذا الدين، لجأ سعيد باشا إلي طريقة أخري وهي أصدار سندات قصيرة الأجل إلي الخزانة المصرية ، وهي أن يستدين من المرابين ديونا بواسطة سندات يحررها علي الخزانة بالقيمة المقترضة وهذه وسيلة خطرة لمالية البلاد لأنها أستدانة بلا رقابة لها ولا حساب عليها ، وبلغت فائدتها في البداية إلي 15% ثم وصلت إلي 18% سنويا، وجذبت هذه السندات الفوائد للبنوك التجارية في مصر، وفي عام 1859 أدي تبذير سعيد باشا إلي عجز الميزانية وتأخر دفع السندات، فأخذت سندات الخزانة تصدر علي سنتين بلغت قيمتها مليون وستمائة ألف جنية مصري، وعندما عجزت الحكومة علي دفع مرتبات موظفيها المدنيين والجيش المصري، فأضطر سعيد باشا علي عقد أول قرض أجنبي، وعند وفاة سعيد باشا عام 1863 كانت ديون مصر قد وصلت إلي 11.160.00 جنية مصري، وهو مبلغ كبير إذ قورن بواردات مصر في ذلك العصر( Mcphail ,Helen ,2009 : 211).

تسلم الخديوي إسماعيل باشا (1863 – 1879) ، الحكم والبلاد غارقة في ديونها، وشهدت السنوات الأولي من حكمه تزايد في النفوذ الأجنبي ماليا واقتصاديا، ثم تحول هذا النفوذ في أواخر عهده إلي سيطرة مالية وسياسية شديدة وأدت سياسته في الأنفاق والأصلاح إلي أستدانته من اوروبا مبالغ كبيرة تضاعفت مع فوائدها حتي وصلت إلي عبئ ثقيل لم تستطع البلاد تحمله ، وأزداد عدد المرابين اليهود في عهد الخديوي إسماعيل ، بشكل لم يسبق له مثيل خاصة بعد أن أزدهرت زراعة القطن وقصب السكر والتصدير الزراعي لكلا المنتجين في مصر عام 1864 ، فظهرت الحاجة إلى وكلاء و وسطاء يتكلمون باللغة الأجنبية لتسهيل عملية التعامل وأستفاد اليهود وخصوصا الأغنياء منهم من هذذه المهنة، وترجع كثرة عمليات الربا في عهد الخديوي إسماعيل هو قيام (الحرب الأهلية الأمريكية) ، التي أدت إلي رفع أسعار القطن المصري في العالم والذي كان يسيطر عليه اليهود بكافة الوسائل ، إذ كان اليهودي يعطي الفلاح نقود لتسديد الضرائب المفروضة عليه أو شراء المحصول قبل موعد جنيه ، لذا فإن الحكومة المصرية ساهمت مساهمة فعالة في تنشيط عمليات الربا من خلال تقديم موعد دفع الضرائب قبل جني المحاصيل وكان المرابيين اليهود يفضلون دائما شراء محصول القطن عن غيره من المحاصيل لأن القطن يعد محصولا نقديا، لذا أصبحت مصر مسرحا للمرابيين اليهود خلال عصر إسماعيل باشا فأطلق عليه (العصر الذهبي للمرابين) بسبب كثرة عمليات الربا التي تمت في عهده ( سعيد محمد حسني ، 2000 : 110 ) .

شجع المرابون اليهود الخديوي إسماعيل علي الإقتراض من البنوك الأجنبية بمبالغ كبيرة مقابل فوائد عالية جداً ، وأدوا دوراً  كبيراً في هذا المجال، من خلال إدارة بنوك الرهون وبنوك التسليف ، ويقول (جابرييل شارم Gabriel Charm) أحد الكتاب الفرنسيين الذين عاصروا عهد إسماعيل باشا ودرس حالة مصر في عهده “أن السماسرة ومنهم اليهود كانوا يدفعون الخديوي إسماعيل إلي عقد القروض المتتالية من بيوت المال اليهودية الأوروبية”  ونظراً للإسراف والبذخ من قبل الخديوي إسماعيل وكثرة نفقاته علي قصوره وحفلاته ، وكل ذلك يتطلب نفقات تعجز خزانة مصر عن تحملها، أضطر حينها إلي الأستدانة من البنوك المالية الأجنبية واليهودية ، ونظرا لتعذر الحصول علي الأموال من الدول الأوروبية، فأنه لجأ إلي جمعها من قبل الأهالي عن طريق زيادة الضرائب أو الإقتراض من أصحاب الثروة من المصريين، من غير حساب أو تخوف من العواقب، حتي كبل البلاد حكومة وشعبا بالقروض الفاحشة( Roshwald , Aviel , 2002 : 99 )

بسبب هذه القروض تدهورت مالية مصر، وعجز الخديوي عن تسديد ديونه فلجأ للتفكير ببيع أسهم قناة السويس البالغ عددها 177.642 سهما، إلي بريطانيا عام 1875 لقاء 4.000.000 وهو ثمن بخس إدا ما قورن بواردات القناة ، وقام اليهودي (دي روتشيلد) بشراء تلك الأسهم ، كما تعهد الخديوي إسماعيل بدفع 5% فوائد سنوية لهذا المبلغ لغاية عام 1894، ومع أشتداد الأزمة المالية وازدياد المالية وازدياد ضغط الدول الأجنبية وحاملي السندات علي الخديوي إسماعيل وقلق المقترضين علي رؤوس أموالهم التي أقترضوها له ، اضطر إسماعيل باشا إلي إنشاء العديد من المؤسسات المالية التي تختص بإدارة شؤون البلاد ، فأصدر بتأثير بريطانيا وفرنسا أمراً عام 1876 بتوحيد الديون وإنشاء (صندوق الدين العام المصري) لتسديد ديون الدولة والفوائد والأقساط ، وخصص له إيرادات مديريات الغربية والبحيرة والمنوفية وأسيوط والضرائب المركية وإيرادات السكك الحديدية وإيرادات عوائد الملاحة في النيل وغيرها من الإيرادات، وتولي إدارة الصندوق مندوبون أجانب ويتم تعين مديري الصندوق بأمر من الخديوي لمدة خمس سنوات، وبذلك لم يستطع الخديوي عقد قروض أخرى إلا بموافقة الصندوق، ومن هنا يتضح نشاط يهود مصر المالي والذي كان له دور كبير في تسهيل عملية الأقتراض العام وأزمة الديون المصرية والتي أدت إلي التدخل الأجنبي في مصر وبيع أسهم قناة السويس، ومن ثم الأحتلال البريطاني لها، هنا يتضح وجها سيئا ليهود مصر وسببا في أزدياد قروضها ( عبدالرحمن الرفاعي، 1994 : 55 ).

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى