ثقافة وفنون

علم السيميولوجيا.. الذكر والحذف وما بعد البنيوية

علم السيميولوجيا.. الذكر والحذف وما بعد البنيوية

أولاً الذكر والحذف لغة واصطلاحاً:

  • الذكر:

يقال: ذكر الشيء ذِكْرًا، وذُكْرًا، وذِكْرى، وتَذْكاراً، أى حفظه واستحضره وجرى على لسانه بعد نسيانه، وأعلمه ولم يضيعه وأظهره وأعلنه، ومنه الذاكرة، أي استذكار المعلوم في الذهن،([1]) ومنه الذكرة أي ضد النسيان، والذكر: الصيت والثناء والتذكرة، ما تُستذكرُ به الحاجة([2])، على هذا الأساس دارت معاني الذكر، وتراوحت مرادفاته، فهو الإظهار والإعلان، وهو مدعاة للمحذوف، وبه يعلم ويعرف ويدرك المحذوف، فهو واسطة له وجسر له ودليل عليه، ولا يبعد المعنى الاصطلاحي كثيرًا عن المعنى اللغوي، فهو في اصطلاح البلاغييين ما تقوم عليه القرينة، وهو الأصل في الكلام لما يضيفه من “تثبيت للمعنى وتوطيد له في النفس، ويكون في ذكره فضلًا عن ذلك معان لا تستفاد إذا حذف “([3]) هكذا اتفق المعنيان وتجاوبا معاً.

  • الحذف:

يقال في ذلك أيضاً؛ حذف الشيء أي قطعه من طرف، وحذف الشيء أي طرح من الكلام، والحِذفة: القطعة المحذوفة من الثوب ونحوه، وحذف الخطيب الكلام، أي هذبه وصفاه، وفي اصطلاح العروضيين، الجزء الذي سقط،([4]) و(حذف) الشيء إسقاطه،([5]) ويأتى المعنى الاصطلاحى ليؤكد المعنى اللغوي، فهو اصطلاحياً طي المسند أو المسند إليه، وذلك في البناء الظاهرى للجملة، ولكنه موجود فى ذهن السامع والمتلقي، كما هو موجود لدى المبدع وهو السكوت عنه شكليًا.

وتتسع مصطلحات الذكر والحذف اتساعاً يستوعب كل المسميات والأطروحات التي ترامت وتسامعت بها الآذان، فالذكر والحذف نعني به الإظهار والإخفاء، الطي والجلي، الإعلان والإضمار، الكلام والصمت، الحضور والغياب، الأصل والفرع، المثالي والمنحرف، الملاء والخلاء، القوة الكلامية والقوة اللاكلامية، إلى غير ذلك من المفاهيم والعناوين التي تحمل مضموناً واحداً مؤداه، أن ثمة ذكرًا هنا، وثمة حذفًا هنالك.

ولما كان الحذف خروجاً على سمة المألوف من الكلام، ولما كان الحذف جذبًا للانتباه وإثارة له وتشويقاً للسامع المتلقي، ولما كان الحذف -أيضاً- اختصاراً وتخفيفاً وإيجازاً، كانت العرب إليه أميل وفيه أرغب، وقلما يخلو عمل أدبي منه، إذ هو للنفس أجذب.

والحذف “خلاف الأصل – الذكر- ومن شروط حسنه أنه متى أظهر المحذوف زال ما كان في الكلام من البهجة والطلاوة، وضاع ما تشعر به من جمال”([6]).

ثانيًا الذكر والحذف بين البلاغة والسيميولوجيا:

من المسلم به أولًا أن علم السيميولوجيا هو العلم العام الذى “يدرس كل أنظمة الرموز اللغوية وغير اللغوية التى بفضلها يتم التواصل بين البشر”([7]) وهناك علم آخر يعتمد اللغة رموزًا “لإيصال المعنى إلى المتلقي”([8]).

والسيميولوجيا علم يدرس العلامات،([9]) وموضوع دراسة علم السيميولوجيا هو “دراسة الأنظمة الشفوية وغير الشفوية، ومن ضمنها اللغات بما هي أنظمة أو علامات تتمفصل داخل تركيب الاختلافات، إن هذا هو ما يشكل موضوع علم أخذ يتكون”.([10])

والسيميولوجيا هي الدليل، وهي “عبارة عن شيء ما يعوض شيئًا معينًا بالنسبة لشخص معين، أي إنه يخلق في ذهن هذا الشخص دليلاً معادلاً أو دليلاً أكثر تطورًا يسميه (بيرس) موضوع الدليل”.([11])

ومهما يكن من أمر فإن علم السيميولوجيا هو ذلكم العلم الذي يعتمد الرمز، أو الإشارة أو العلامة، أو الدليل، ولعلم السيميولوجيا جذور قديمة، حيث هو عند المناطقة العرب نسبة بين اللفظ والمعنى، بين الدال والمدلول، ومن الواضح أن هذا التعريف قد “استعاره دى سوسير مع استبدال كلمة (دلالة) بكلمة علامة “،([12]) والواقع أن كون اللغة رموزًا وعلامات وإشارات، بل العلم تعريفه نفسه قريب الصلة ووثيقها بعبد القاهر الجرجاني، الذي أكد أن “كل حكم يجب في العقل وجوبًا حتى لا يجوز خلافه، فإضافته إلى دلالة اللغة وجعله مشروطًا فيها محال، لأن اللغة تجري مجرى العلامات والسمات، ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلاً عليه وخلافه” ،([13]) ويقول في موضع آخر في كتابه الآخر ” اللغة رموز لا يفهمها إلا من هو مثل حالهم، من لطف الطبع وهو مهيأ لفهم تلك الإشارات”([14]).

إن علم السيميولوجيا أو علم الرمزية “يضع في صلب اهتماماته الكشف عن المعنى العميق الكامن في بني سطحية دالة، بتعبير آخر هو البحث عن التأويل الأكثر ملاءمة وعمقًا لنتاج رمزي؛ هو البحث عن التفسير الأعمق، ولكن المستند إلى البنية الدالة التي تعطي البرهان على ما يثبت هذا المنحى في التأويل.

من هنا فإن الرموزية تلتقي، مع علم يختص بالتفسير والتأويل”([15]) وآية ذلك، فإن الرمز يكون من دال ومدلول لا وجود لواحد دون الآخر ولا انفصام بينهما، ولا معنى للدال الحسي الظاهر إلا بالمدلول الخفي الذى يدل عليه، كما لا معنى للمدلول الخفي الباطن إلا بالدال الذي يحمله ويرمز إليه”.([16])

إن هذه الأطروحات السابقة لتدل بوعي عميق على أن علم السيميولوجيا ما هو إلا انعكاس لظاهرة الذكر والحذف، بل وتتجسد فيه تجسدا بينا، كما الآتي:

أولاً. من حيث التعريف:

نجد أن علم السيميولوجيا رموز وتأويلات، والحذف نفسه ينطبق عليه ذلك، حيث إن الحذف إبهام، والإبهام تأويل وتخمين، ويحتمل المحذوف أكثر من تأويل، فمثلاً قوله: وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْۚ ([17]) فإنه يجوز في الآية الكريمة أن يكون المحذوف هو المسند، والتقدير: لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة، ويحتمل أن يكون المحذوف هو المسند إليه والتقدير: ولا تقولوا الله والمسيح وأمه ثلاثة، أي لا تعبدوهم، وقد يكون المحذوف ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، أرأيت هذا الكثرة الكاثرة والوفرة الوافرة من التأويلات والاحتمالات والأطروحات؟

إن الحذف -إذن- أدخل في علم السيميولوجيا من هذا المنطلق، ويدلك بوضوح على ثراء الرموز وما بها من طاقة دينامية، إنها حياة، إنه أفضل حظاً من الذكر، الذي لا يحتمل إلا تأويلاً وحيدًا لا غير، إنها تثري -أي الرموز- العمل الأدبي، فكما المرسل المبدع له رموز فكذلك المستقبل المتلقي، ومن ثم تتكاثر الرموز ويا حبذا لو توافقت رموز هذا مع ذاك، واتسقت اتساقًا لا نظير له وكثيراً ما تتوافق، إذ الهدف واحد وهو الإقناع، يقول الشاعر:

ينوحُ على فقد الهديل، ولم يكن        رآه فيالله: كيف تهكما

والتقدير: يالله لهذا الطائر، فالحذف هنا “رمز لهلاك هذا الطائر”.([18])

ثانياً. تكوين علم السيميولوجيا وبناؤه:

يتكون الرمز -علم السيميولوجيا- من دال ومدلول، وكذا الذكر والحذف، فلو تأملنا مثلاً الحذف الوجوبي مع لولا، لوجدنا أن المحذوف تقديره (موجود)، فلولا (لولا) لما قدرنا كنة المحذوف ولا سمته ولا هيئته، بل إن الأسلوب ظاهرة الحذف وباطنه الذكر، لقد حملت (لولا) ذكرًا وحذفًا في لحظة آنية، وهذا عين المقصود بقولهم: كما لا معنى للمدلول الخفي الباطن إلا بالدال الذي يحمله ويرمز إليه”.

ثالثاً. طبيعة علم السيميولوجيا:

يؤكد سوسير على طبيعة علم السيميولوجيا (العلاقة) النفسية، ويؤكد أيضاً على ارتباطهما معًا، ولا غناء لأحدهما عن الآخر، وكذلك الذكر والحذف، فمن حيث الجانب النفسي أوضحناه آنفاً “فإن رجوع الحذف والذكر حينًا إلى نفسية المتكلم وحينا إلى نفسية السامع”،([19]) أما عن ارتباطهما، فهذا أيضاً ظاهر للعيان، فعندما أقول: يمين الله لأجتهدن فهنا محذوف مقدر، تقديره (قسمي أو أحلف) وقد تلا ذكر القسم هذا الحذف، فدون الذكر لم يتم تقدير الحذف.

الهوامش والإحالات:

(1) المعجم الوسيط: مادة ( ذكر ) ص 133.

(2) مختار الصحاح: مادة ذكر ص 222.

(3) د/ أحمد بدوى -من بلاغة القرآن- دار نهضة مصر – سنة 1978م – ص 118.

(4) المعجم الوسيط: مادة ( حذف ) ص 162 – 163.

(5) مختار الصحاح: مادة ( حذف ) ص 127.

(6) د/ عبد الرازق أبو زيد – علم المعانى بين النظرية والتطبيق– مكتبة الشباب – القاهرة – ط2 – سنة 1987م – ص101.

(7) – دى سوسير – ” محاضرات في الألسنية العامة -” ترجمة يوسف غازي ومجيد النصر – دار نعمان للثقافة – سنة 1984م – ص 27.

(8) سابير – مدخل إلى اللغة واللسان –ترجمة حمزة المزيني – دار إفريقيا الشرق – سنة 1986م – ص 7.

(9) انظر: مارسيلوداسكال –الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة– ترجمة حميد الحمداني – وآخرين – دار إفريقيا الشرق – سنة 1986م – ص 17، انظر: د/ حنون مبارك – دروس في السيميائيات –دار توبقال – سنة 1987م – ص 49.

(10) د/ محمد السرغيني – محاضرات في السيميولوجيا –دار الثقافة – البيضاء – سنة 1987م – ص6- 16.

(11) رولان بارت – مبادئ في علم الأدلة –ترجمة محمد البكرى – إصدار عيون المقالات – سنة 1986م – ص 29.

(12) من مقال للدكتور/ عادل فاخوري (حول إشكالية السيميولوجيا) (السيمياء) –.عالم الفكر – العدد الثالث – المجلد الرابع والعشرون – سنة 1996م– ص 180.

(13) عبد القاهر الجرجاني – دلائل الإعجاز– تحقيق/ محمود محمد شاكر – الهيئة المصرية العامة للكتاب – سنة 2000م. – ص 250.

(14) عبد القاهر الجرجاني – أسرار البلاغة –صححها وعلق عليها/ محمد رشيد رضا – مكتبة محمد على صبيح – القاهرة سنة 1959م.

(15) من مقال للدكتور/ أنطوان طعمة بعنوان (السيميولوجيا والأدب) مجلة عالم الفكر – المجلد الرابع والعشرون – العدد الثالث – سنة 1996م –ص 210.

(16) م.ن– الصفحة نفسها.

(17) النساء : 171.

(18) الأسلوبية – ص 57.

(19) – د/ مصطفى الجويني – الفكر البلاغي الحديث -دار المعرفة الجامعية – الإسكندرية – سنة 1999م – ص14.

اقرأ أيضًا : رواية “الديوان الإسبرطي” تفوز بجائزة البوكر العالمية

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محمد عبد الله

الاسم: محمد سعيد محفوظ عبد الله دكتوراه فى البلاغة والنقد والأول فى مواد الفرقة الرابعة قسم اللغة العربية بآداب المنصورةعام 1994 بنسبة 81.54%-درس مواد امتياز-نشر ابحاثًا وكتبًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق