مدونات

الدين والدنيا وتقاطعهما في تفكير المراهق

إن أخطر مرحلة في حياة الانسان، لَلّتي تمتد من المراهقة إلى حدود الثلاثينيات، لأنها  ليست مرحلة خطيرة على مستوى السلوك فقط، ولكن هي أيضا جد مهمة على مستوى البحث عن المستقر الفكري للإنسان.

المراهق في هذه الفترة تتجاذبه تيارات فكرية وتساؤلات وجودية كبرى، وهو في غياب مرشد يتمثل في ذويه، أو كتب قويمة تأويه، يبقى تائها مضطرب الفكر، حيال عنوانين كبيرين بارزين : الدين والدنيا.

هذا المراهق فكريا يخال الدين والدنيا متعارضين إلى حدود التنافي، لأنه حديث الخروج من مرحلة الطفولة، التي كان يعيشها ببراءتها، وسذاجتها، لكنه اصطدم فيها بمحيط غير ذلك المحيط البريء الذي يعتقد، محيط يكذب ويخادع، يصلي ويسب، أو يتعاطى جميع أنواع الموبقات.

هذه التناقضات في خلفية الطفل تزداد توهجا واستفزازا في فترة المراهقة، وهو ما يجعله يندفع نحو أحد الطريقين دون الآخر، تحفزه في المضي روح مغامرة، مقامرة، ومتمردة، ليختار هذين الطريقين أقصاهما.

إن هو اختار الدين سعى إلى الغلو فيه، والبحث عن منافذ البطولة ومكامن إبراز العضلات، فيلهمه الجهاد، ولأن الجهاد تغير مفهومه بتغير حاضنه، حيث كان منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى حدود تاريخ انهيار الإمبراطورية العثمانية، إطارا ترعاه الدول الإسلامية، قبل أن تتخلى عنه، لتتركه في أيدي الجماعات الإسلامية التي اجتهدت فيه وقاربته مقاربات اضطرارية، تتلاءم مع ضعف قواها ومددها، ذادت عن الدين تلك الجماعات وحاولت ملء فراغ أولياء المسلمين.

لكنها في الوقت ذاته، تنافى اجتهادها مع آداب الجهاد وأخلاقه المتعارف عليها، فأبدعت مفهوما عشوائيا من التقتيل، وسعت ضحاياه ليشمل المدني بحجة أنه مسهم في خلق السياسة العامة للدول الغربية، فشوهت المعنى الحقيقي للجهاد.

في أتون ذلك يختار المراهق مسلوب العقل، سبيل الجهاد أو الإرهاب كما يصطلح عليه آخرون، بحثا عن الخلود الأبدي في الجنان، وهو ها هنا، قد وقَّع مع الموت شهادة وفاته بنفسه.

أما المراهق الذي اختار عنوان الدنيا، فهذا هو الآخر سيبحث عن طريق يبرز فيه مدى استقلاليته، وعدم اتباعه لنهج القطيع في اعتقاده، فيحسب أن والديه مخطئان، والمدرسة مخطئة، والدين ما هو إلا أفيون خلقه البشر لاستعباد غيرهم.

لهذا فهو سيتبع أقصى نقطة في مادية الدنيا وهي الإلحاد، سيبرر لنفسه فعل أي شيء بحجة أن لا سلطان عليه، وأنه سلطان نفسه.

لكن في أتون إلحاده لا يجد بريق الحياة المنتظر، كل شيء في فكره متاح، لا رادع، لا مانع، بهيمية فكر قد نالها، سيحس بعذاب الضمير وهو يرى أقرانه تعيش الحياة بضوابط الدين والدنيا، ويراها تسعد بالشقاء والحرمان سعادتها بالغنى والوفرة، سيراها تحمد الله وتهلل بحمده، سيؤرقه هذا سيعذبه، وسيبحث عن راحة أبدية تتجلى في الرجوع إلى العدم، فهو لا يؤمن بأنه خلق من العلي القدير، هو يؤمن بالصدفة، ويحن إلى العدم، ليرتاح.. لهذا سيرجع إليه، والسبيل معروف الانتحار.

بهذا التوصيف نصل، إلى أن هذين المراهقين في اختيارهما لأقصى نقطة سواء في الدين، أو الدنيا، هما يصلان إلى الموت، فواحد يبحث عن الخلود الأبدي في مفهوم الاستشهاد، وآخر يبحث عن العدم الأبدي في مفهوم الانتحار.

ما أوردناه أعلاه، يتحدث عن عينتين قليلتين في الواقع، عينتان لم تجدا مستقرا فكريا يعينهما على الوجود والاستمرار فيه، لكن هناك فئات كثيرة، قد يسلبها طريق الجهاد أو الإلحاد بداية، لكنها لظروف محيطة تتراجع وتختار لنفسها مستقرا فكريا، فتجدها إما متدينة ومتزمتة لكنها مقبلة على الدنيا، أو علمانية مسلوبة مشدوهة بالغرب، لكنها تتعامل مع الدين كشعائر مناسباتية.

الفئة المتزمتة هي فئة تنظر بعين الريبة لكل جديد، ولكل ما هو علمي بحجة البدعة، أما الفئة العلمانية المتمدنة فتنظر بعين الريبة لكل ما هو ديني وشرعي بحجة التطرف، وهو ما يجعلهما في عداء تاريخي منهك للأمة، فهذه الأمة لم تجد ذاتها بعد هل تنطلق من خصوصياتها، وتنغلق انغلاق السلحفاة، وتسير بسرعتها، أم تنطلق بدون ثوابت، وبدون هوية نحو الغرب، وتسرع بسرعة لا مكابح فيها، فيكون المصير هاوية من التفكك تصيب وحدة المجتمع، وتذيبه في الفردانية الملغية لتلك الوحدة وذلك الاجتماع.

ألا يمكن أن يَجمع بين المتزمت والعلماني طريق واحد؟

بلى يمكن، لكن فقط لو يدرك المتزمت أن العلم الدنيوي ليس ببدعة، بل يتوازى مع الدين، فالله عز وجل خلق الأكوان والأشياء بقوانين محددة، والعلم يسعى علميا إلى تحديد تلك القوانين ليس إلا، فهو إن وصل إلى حقيقة علمية فالحاصل أنها لا تتعارض مع الدين في شيء، لأن مصدرهما واحد، أما الافتراضات والنظريات التي لم تبلغ شأو الحقيقة العلمية أو القانون العلمي، فيمكن التعامل معها بالنقد الهادف، و بالحجة والبرهنة، لا بالإقصاء وتوصيفها بمجرد كلمة أنها بدعة.

أما العلماني فعليه أن يعلم أن هذا الدين، منهاج حياة قويم لا يمنعه من أن يعيش حياته في تطور ومرح، لكن لكل أمور ضوابط، فهذا الشرع لم يخلق عبثا، بل جاء به الوحي المنزل من الله جل وعلا، وهو أدرى بالأنفس، وأنه مهما بلغنا شأوا وتقدما ونضجا، فإننا لن نبلغ بعقولنا مرامي الحكم الإلاهية ومبتغاها، وأن الدين لا يمنع العلم، وله أن يبحث في القرآن والسنة الصحيحة، كيف أن الله ورسله يحثون على العلم ويدعون إليه.

أيها العلماني لا تحسبن أنك بهوية الآخرين ستبلغ شأوا وعظمة، فأنت تكتب بأقلامهم، ومن كتب بأقلام الغير، لا ينتظر أن تُوقع كلماته وأبحاثه باسمه الأصيل.

لو فكر المتزمت والعلماني وقدرا، لرأينا المتزمت بعباءته القصيرة والعلماني بربطة عنقه سائرين في الطريق نفسها، ويحييان بعضهما بابتسامة الرضى والتطلع نحو التقدم والتغيير، دون جعل الثوابت محط تحوير.

هذه هي الطريق المثلى التي ينبغي تربية المراهق عليها، طريق توازي بين قلب يفكر ودماغ يقدر، وهذا هو العقل في أبهى الحلل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

malik2019

كاتب وباحث مغربي

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى