سياسة و تاريخ

الديموقراطية في أزمة حول العالم. ما السبب؟

حتى ولو كنت نعيش في بلد الديموقراطية “أمريكا”، فمن السهل للغاية أن نصبح مهووسين باضطراباتنا السياسية الداخلية. فقد فصل الرئيس ترامب في النهاية المدعي العام ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي لحماية نفسه من التحقيق، وحاول مقاضاة مدير مكتب التحقيقات الفدرالي نفسه إلى جانب خصمه السياسي المهزوم ووصف الإعلام بأنه “عدو للشعب“، ومارس عنصرية فاضحة ضد الأجانب بل ونشر خطابًا للكراهية أضرّ بهم كثيرًا، وأساء استخدام موارد القوات لأغراض سياسية، ونشر نظريات كاذبة حول تزوير الانتخابات لتقويض أعدائه السياسيين  وكذب دون عقاب وباسترسال!

الديموقراطية في الولايات المتحدة

إن الديموقراطية في الولايات المتحدة خاضعة للحصار، وليس في الولايات المتحدة فحسب، بل هي أزمة عالمية: فقد دُمرت الديمقراطية بالفعل في تركيا ومصر وفنزويلا وتايلاند وروسيا، ويجري الآن تقويضها في بولندا والمجر والفلبين. كما أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تعد بمثابة صمام أمان الغرب، في طريقها للخروج في ألمانيا، أما إيمانويل ماكرون، رئيس فرنسا الوسطى، فشعبيته تعاني من أدنى مستوياتها، وفي بريطانيا، ينقسم حزب المحافظين حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مما يزيد من احتمال إجراء انتخابات يمكن أن تؤدي بوصول حزب العمال إلى مقاليد السلطة تحت قيادة ماركسي جديد مناهض للسامية.

ما الذي يحدث؟ وكيف انتقلنا من آمال “نهاية التاريخ” في التسعينات إلى مخاوف من “نهاية الديمقراطية” اليوم؟ إننا نواجه أزمتين متداخلتين: أزمة اقتصادية وأزمة لاجئين.

لقد تمخضت الأزمة الاقتصادية بسبب ثورة المعلومات، والتي -مثل الثورة الصناعية التي عرفها القرن التاسع عشر- أدت إلى تحويل المجتمع بدرجة تفوق كل التصورات. فقد خلقت الثورة الصناعية ثروات هائلة لعائلات (روكفيلر) و(كارنيج) و (غولد) و”البارونات اللصوص” الآخرين، لكنها جلبت أيضًا البؤس الشديد لملايين الناس العاديين الذين اضطروا لمغادرة الريف للعيش في مدن قذرة والعمل في مصانع منتشرة. وكانت النتيجة ما وصفه (بنجامين دزرائيلي) بـ “دولتين: دولة الأغنياء ودولة الفقراء: حيث لا يوجد بينهم جماع ولا تعاطف؛ يجهلون عادات وأفكاره ومشاعره بعضهم البعض، كما لو كانوا سكانًا من مناطق مختلفة أو سكانًا من كواكب مختلفة”.

لقد أدى عدم التكافؤ المتزايد والاضطراب الاجتماعي الذي شهدته الحقبة الصناعية إلى ظهور أيديولوجيات راديكالية جديدة مثل الماركسية والفاشية والفوضوية في الوقت الذي أتاحت فيه التكنولوجيات الجديدة – وخاصة المطابع التي جعلت من الممكن إنتاج الصحف والمجلات الرخيصة، تليها الإذاعة والسينما –  لأيديولوجيين متطرفين الوصول إلى جمهور واسع لأول مرة. وكما قال تي. إي. لورانس:

“إن المطبعة أعظم سلاح في مخزن الأسلحة للقائد الحديث في عصر الديموقراطية”.

إن ثورة المعلومات مزعزعة للاستقرار بالقدر ذاته، إذ إنها تخلق ثروات هائلة لآل (غيتس) و آل (بزوس) وآل (جوبز) وآل (زوكربيرغ) بينما تؤدي إلى إفقار الملايين من طبقة العمال، حيث وجد الاقتصاديان (إيمانويل سايز) و(غابرييل زوكمان) أن التفاوت في الثروة، بعد هبوطه من عام 1929 حتى عام 1978، ضل يرتفع منذ ذلك الحين “تقريباً بسبب ارتفاع ال 0 ,5 في المائة الأعلى من حصة في الثروة من 7 ٪ عام 1979 إلى 22 ٪ في عام 2012 – وهو مستوى مساو تقريبا لما كان عليه في 1929. في الوقت نفسه، خسرت الولايات المتحدة 5 ملايين وظيفة في المصانع منذ عام 2000 ، واليد العاملة اليدوية المتبقية متدنية الأجر وأقل أمنا بشكل عام مما كانت عليه في الماضي.

تكمن القوة الدافعة وراء هذه التوجهات بشكل رئيسي في الأتمتة، غير أنه من السهل على الديماغوجيين إلقاء اللوم على النخب الخائنة المفترضة، مثل المصرفيين الدوليين والشركاء التجاريين الذين يفترض أنهم يسرقوننا، والمهاجرين الذين يفترض أنهم يسرقون الوظائف ويجلبون الجريمة.
ومن محاسن الصدف، كانت العلاجات السريعة التي يقترحها الشعبويون الأوتوقراطيون تُفاقم المشاكل ذاتها التي يزعمون أنها تعالجها، مما يعمّق الأزمة التي تمنحهم ذريعة للحكم. (لقد أبلت المقاطعات الداعمة لترامب بشكل أسواء تحت ترامب أكثر من المقاطعات التي صوتت فيها الأغلبية لصالح هيلاري كلينتون).

أصبح نشر (رهاب الأجانب) في الوقت الحالي سهلًا كوننا نعيش وسط أكبر أزمة لاجئين في التاريخ، إذ وفقاً للأمم المتحدة، ارتفع عدد النازحين في العالم من 33.9 مليون في عام 1997 إلى 65.6 مليون في عام 2016. ويكمن سبب هذه الهجرة الجماعية في الصراعات الدائرة في سوريا وأفغانستان والعراق والكونغو والسودان وليبيا وأوكرانيا و دول أخرى – والجريمة والفقر المنتشرين في دول مثل غواتيمالا وهندوراس ونيكاراغوا. كما وشهدت أوروبا كذلك تدفق ما يقرب من 1.2 مليون مهاجر بين عامي 2015-2016، كما خلقت هذه الهجرة الظروف اللازمة لاعتماد البريكسيت وأدت إلى صعود موجة من الليبرالية في جميع أنحاء القارة، حتى في بلدان مثل المجر وبولندا التي لا تعرف أي تدفق للوافدين الجدد.

تماما كما سهّلت التطورات التكنولوجية للثورة الصناعية على كارل ماركس نشر “بيانه الشيوعي”، أعطت ثورة المعلومات هؤلاء الشعبويين الوسيلة المثلى لإيصال رسالتهم، حيث سمح لها ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والتلفاز السلكي بنشر دعاية خالية من تدقيق الحقائق السائد في وسائل الإعلام، يصفونها سخرية على أنها “أخبار مزيفة”.

لقد أثبت لنا التاريخ أن الاضطرابات الاقتصادية مثل الثورات الصناعية والمعلوماتية تخمد نيرانها في نهاية المطاف وتجعل العالم بأسره أفضل حالاً، كما تخف حدة أزمات اللاجئين أيضا عاجلا أم آجلا، ولكن يمكن أن يحدث الكثير في غضون ذلك. لقد أنتجت أزمة النظام القديم في أوروبا ما يقرب من 80 سنة من الصراع الدموي في كثير من الأحيان بين الديمقراطية وأعدائها من عام 1914 إلى عام 1991. إربطوا أحزمة الأمان، فالعالم برمته في رحلة وعرة أخرى.

اقرأ أيضًا: آلات القرن الواحد والعشرين: نظرة في حال الانسان اليوم

المصدر: Democracy is in crisis around the world. Why?

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ياسين ادوحموش

مترجم ومدون من المملكة المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق