سياسة و تاريخ

الديمقراطية طريق الاستبداد

يقال أن الديمقراطية نشأت فى الغرب نتيجة انتشار حركة التنوير العقلانية، وسيطرة القيم الليبرالية الناتجة عن انتشار العقلانية واندحار الفكر الأصولي الذي تسبب في عقود ظلام مديدة في أوروبا، وعليه كانت الديمقراطية هي الثمرة اللذيذة التي لم يأتي الزمان بمثلها ،ولم يتفتق العقل البشري ليبدع ما هو أفضل منها!

المساواة

تعبر الديمقراطية في النظام السياسي عن فكرة المساواه ،فجميع المواطنين متساويين في الحقوق السياسية،وعليهم ذات الواجبات.
ولكن إذا عكسنا منظار الرؤية قليلاً لتبين لنا أنه هنا بالتحديد تكمن الكارثة الكبرى!
فالمساواة لا تعني دائماً العدل ،بل في بعض الأحيان قد تجسد الظلم البين كما في هذه الحالة.
النظم الديمقراطية تجعل الناس متساوين في حقوقهم السياسية بغض النظر عن مستواهم العلمي أو الفكري أو الثقافي.
وهذا يقود في المحصلة إلى سيطرة نخبة قليلة تستطيع قيادة الدهماء إلى ما تختاره من قرار سياسي بفضل قدرتها على إمتلاك رأس المال الذي تستخدمه في توجيه إلاعلام والذي بدوره يقود الجماهير نحو اختيار تلك النخبة.
وهنا تتجسد المصيبة الكبرى للنظام الديموقراطي.

الحرية والإستبداد

دعونا نتفق أن المقابل للاستبداد لايساوي بأي حال من الأحوال الديموقراطية، ومن يعتقد ذلك فقد وقع في خلط كبير.
فالاستبداد يقابل الحرية ،والحرية لا ترادف بالضرورة الديمقراطية بل قد تقابلها كما هو الواقع في العصر الحديث.
فالاستبداد في العصور الملكية أو عصور ما قبل الدولة الحديثة كانت أفضل حالاً من ديمقراطية اليوم على مستويات عدة،وأول هذه المستويات مقاومة الاستبداد ذاته!

مقاومة الإستبداد

في ظل النظم السياسية التقليدية، ومع وجود تفاوت كبير في الطبقات الاجتماعية كانت مقاومة عامة الشعب للسلطة السياسية شديدة.
وكان يُنظر للطبقة الحاكمة مهما بلغ عدلها ومحبتها عند جموع الشعب على إنها تسعى لمصالحها الشخصية في المقام الأول.
وعليه كانت الأمة متيقظة، تقاوم كل تغول للسلطة الحاكمة على مساحات الشعب .
أما في ظل النظام الديموقراطي فإن الطبقة الحاكمة تحكم بإسم الشعب وبالتالي يظن الجميع أن الدولة تمثله ،وفي ظل تلك الرؤية الضبابية تغيب المساحات، وتدريجياً تحتل السلطة كل المساحات التي كانت مملوكة للشعب سابقا ً دون أدني مقاومة منه أو انتباه كذلك، لأنه لن يقاوم نفسه بكل تأكيد!!

دولة الرعاية!

ما يحبب الناس في النظم الديمقراطية هو تخيلهم أن هذه النظم تحقق لهم كثير من المنافع والامتيازات.
ففي النظم الديمقراطية تسمي الدولة نفسها (دولة الرفاه) أو( دولة الرعاية) ،فهي تتكفل بالمواطن فتقدم له الاعانات، ومعاشات الضمان الاجتماعي ،وكثير من الخدمات ذات الجودة العالية والتي تحتكرها الدولة بالطبع.
وفي حقيقة الأمر فإن الدولة لا تفعل ذلك إيماناً منها برفاهية المواطن أو سعياً من جانبها إلى إسعاده وإمتاعه.
الهدف الاول والحقيقي وراء ذلك هو جعل المواطن في حالة من العجز والاحتياج الدائم للدولة.
وعجزه عن سد احتياجاته الأساسية دون الدولة يجعله غير مستعد أبداً لمقاومتها أو الثورة عليها،لانها ملاذه الآمن وملجأه الوحيد، وبذلك تكون الدولة حققت النجاح الذي تريده بوأد سبل الثورة عليها.

“يرغب الجميع في العيش على نفقة الدولة لكنهم ينسون أن الدولة ترغب في العيش على حساب الجميع” فردريك باستيا.

احتكار التشريع

و بفضل الديمقراطية وما يعنيه ذلك من حكم الشعب لنفسه اكتسبت الدولة الحديثة القدرة على التشريع ،وسن القوانين وهو مالم يكن موجوداً من قبل.
فجل ما كانت تفعله السلطات في ظل النظم التقليدية هو تطبيق القوانين الموجودة بالفعل “القانون العام” لا خلق قوانين جديدة .
ويكمن الخطر في هذه الحالة في أن القوانين التي تنشأها الدولة هي إما قوانين مستوردة (في حالة الدول العربية ما بعد الاستعمار) أو قوانين مخترعة من جانب طبقة لها أنماط ثقافية مختلفة عن جموع الشعب (في حالة الدول الغربية) .
وهذا يؤدي في النهاية إلى اعتباطية القانون ذاته، فما يكون مجرم بالامس يكون مباح اليوم، وينتج عن ذلك سيولة كبيرة فيما هو حق و صواب أو باطل و خطأ .
هذه السيولة بدورها تؤدي إلى فساد الشعب تدريجياً وعدم إيمانه بأي مبدأ  أخلاقي أو التزامه بأي قوانون وضعي وهذ ما يحدث الآن.

الأخ الأكبر يراقبك

يقول الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أصبح الكمين يعبر عن حالة مرورية وأمنية في آن واحد بعدما كان يعبر عن حالة عسكرية محضة .
وكما في دولة الأخ الأكبر في رواية ١٩٨٤لجورج أورويل يكون جميع المواطنين موضع اشتباه ،فهم تحت المراقبة دائما ً وأبداً.

ففي ظل الدولة ما بعد الويستفالية واحتكارها لمفاهيم مثل الأمن، والنظام العام، وسلطة القانون يصبح المواطن دائماً عرضة للاشتباه وله دور محدد يؤديه في هذه الحياه ولذلك هو مراقب دائماً سواء من أجهزة الدولة الأمنية أو التقنية، وتدريجياً يتولد عن ذلك النظام دولة (الأخ الأكبر) التي تحصي على الناس أنفاسهم وهمسهم.

ويصبح مجرد رفض النظام أو الخروج حتى عن مراقبة الدولة جرم كبير يستوجب العقاب كما حدث مع روبي ريدج عام 1992.

دولة الحرب المنظمة

في ظل النظام الامبراطوري كانت الممالك تسعى لتوسيع حدود دولها وما يعنيه ذلك من ثروات أكبر، ورعايا أكثر تفرض عليهم الضرائب ليصب ذلك في خزائن الأسرة الحاكمة.

وعليه كان يُنظر لتلك الحروب التوسعية من جانب الشعب بأنها حرب الملك فقط ،فلا يشارك فيها الشعب لا بعدة ولا عتاد، ولا جنود ولا رجال ويتحمل كلفتها الملك وحده سواء بالسلب أو بالايجاب.
أما في ظل النظم القائمة ،فبأسم الديمقراطية تقتطع نفقات الحروب من قوت الشعب، ويختطف الشعب قسرياً ليشارك فيها تحت مسمي (التجنيد الاجباري) دون أن يكون للشعب في النهاية ناقة ولا جمل في كل هذا الصراع .

ولكن لابد أولاً وأخيراً من تلك الحروب لفوائد عدة أهمها؛

أولاً:
تصريف فائض القوة العسكرية لتدعيم بنى اقتصادية بعينها في مقابل تدمير بنى اقتصادية أخري.
وثانياً:
إشغال الشعوب عن معاركها الحقيقة وتركيز بقعة الضوء دائماً على الحرب المشتعلة لأنه لاصوت يعلو فوق صوت المعركة.
وثالثاً:
وهو الأهم مقاولات الحروب مفيدة ومربحة للنخبة لكي تزيد ثروتها المتضخمة بالأساس.

منظور نقدي

بينما يرى البعض أن النظام الديمقراطي جيد ولاتكمن الإشكالية فيه، بل تكمن في كيفية تشغليه بالأساس، فإن كان الشعب واعي وذكي استطاع تشغيل الآلة باحترافية وتلافي أعراضها الجانبية المدمرة كما يقول سيدنى هوك  “النظام الديموقراطي جيد لكن لابد أن يُتعامل معه بفاعلية كبيرة، أحد المتطلبات الإيجابية لديمقراطية فعالة هي عدم ثقة زائدة بالقيادة، وشك عنيد لكنه ليس أعمى بكل المطالب بتوسيع السلطة، وتأكيد الطريقة النقدية في كل مرحلة من مراحل التعليم والحياة الاجتماعية .
هذا الشك، مثل أشكال أخرى من اليقظة ،قد يبدو أحياناً مزعجاً للزعماء المقتنعين بنواياهم الحسنة، وهذا الشك ،على أى حال،ليس بنواياهم بل بالتبعات الموضوعية لسلطاتهم”
بينما يرى آخرون أن الاشكالية تكمن في الآلة نفسها التي أصدرت منتجات مدمرة كان على رأسها النظام الديمقراطي، كما يرى ليثموثي ميتشل “لايشير الاستعمار في حركة المعرض إلى مجرد وجود واقع استعماري أوروبي ،بل إلي تطور مناهج جديدة للسلطة السياسية،وهذه المناهج هي جوهر كل سلطة سياسية حديثة”.
 
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق