سياسة و تاريخ

الديمقراطية شرط واقعي أم مطلب فكري؟

نطالب كل يوم بالديمقراطية وأحيانا نقاتل لأجلها لكن هل تتوفر شروط قيامها في الواقع؟ هل هي نتيجة حتمية لطبيعة مجتمع ما ولا تتناسب مع طبيعة مجتمع آخر؟ وهل نحن في البلاد العربية نمتلك روحها في وعينا؟

ليس من السهل الإجابة بنعم أو لا على أي من الأسئلة أعلاه. ما سأحاوله هنا تقصي أصولها الاجتماعية في بلاد تحققت فيها بصورتها الحالية ثم قراءة مقارنة لواقع مجتمعاتنا العربية، ثم بعد ذلك التعامل مع الديمقراطية كمطلب يفرضه الواقع المعاصر وهل هي ضرورة أم مجرد خيار.

 دلالة الديمقراطية

الديمقراطية بمعنى ما هي نفي الاستبداد والتفرد بالرأي والفعل والإنتاج بكافة أشكاله.  وهي مشاركة جميع الأطراف في إنتاج ما يعود أثره على الجميع. بالانتقال إلى المستوى السياسي في مشاركة جميع أفراد الشعب في الحكم وفي رسم السياسات العامة الخاصة بالجميع، وعندما نتحدث عن نظام حكم ديمقراطي فإننا نتحدث عن خمسة أسس وهي نظام الفصل بين السلطات ( التشريعية، التنفيذية، القضائية)، سيادة القانون أي خضوع الجميع للقانون على نفس الدرجة من المساواة، التعددية الحزبية، جماعات الضغط كمنظمات حقوق الانسان والنقابات والمجموعات النسائية والتي تعبر عن مصالح المجموعات التي تمثلها. التعددية.

الأصول الاجتماعية للديمقراطية

الديمقراطية بشكلها الحديث كما وضحناه أعلاه ظهرت في بعض الدول الأوروبية وبالتحديد إنكلترا وفرنسا.  في إنجلترا وقع التحول بشكل سلمي وتدريجي، فقد كان هناك الملك الذي يعترف بأحقية الأسرة التي ينتمي اليها بالملك من كل القوى الموجودة وإلى جانب الملك كان يوجد الفرسان أو اللوردات الذين يمتد نفوذهم وسيطرتهم على الإقطاعات التي يمتلكونها. لهؤلاء الفرسان أو اللوردات استقلال عن الملك في إدارة شؤون إقطاعياتهم مقابل دعم الملك وإمداده بالفرسان في حروبه مع الدول او القوى الأخرى. إذاً لم يكن الملك قوة متفردة بل كان القوة الأكبر وصاحب الحق المعنوي في الملك وهذا لم يلغ أبدا حضور قوة الفرسان واللوردات والتأثير المتبادل. هذا التعدد في القوى على أرض الواقع كان يعني وجود مصالح متعددة ومراكز قوى تمثل هذه المصالح وتدافع عنها. هذا الشرط الواقعي ساهم في تبلور النظام الديمقراطي بشكله الحالي القائم على التعددية والتنوع وعدم التفرد في القرار السياسي.  وفي فرنسا لم يكن التحول تدريجياً بل عنيفاً وذلك يعود الى نفوذ للملك أكثر وسيطرة أكبر أمام القوى الأخرى مقارنة بما كان عليه الواقع في إنكلترا لكن ذلك لم يلغ وجود قوى متعددة على الأرض تمثل مصالح مجموعات مختلفة، فعندما قامت الثورة الفرنسية في 1789 برزت على الساحة أحزاب وجماعات قوية كاليعاقبة الذين مثلوا مصالح الطبقة التجارية البورجوازية الوليدة.  ولن ننسى أنه كان للكنيسة قوة ونفوذ فعلي على الأرض في كل أوروبا القرون الوسطى ولاحقًا في بدايات عصر النهضة وذلك مقابل نفوذ الإمبراطور او الملك.

نستنتج من ذلك أن الشرط الواقعي للديمقراطية هو تعدد وتنوع القوى في  المجتمع بتعدد وتنوع المصالح التي تمثلها تلك القوى. هذا الحضور للقوى المتعددة يجبر الوعي أو يشكله على أساس احترام الطرف الآخر الذي يمثل مصلحة أخرى مختلفة عن مصلحته أو تتعارض معها وهذا ما سيشكل روح الديمقراطية.

قراءة مقارنة للواقع العربي

بعد انقطاعي عن الفعل السياسي دام عدة قرون ظهرت الدول العربية الحديثة وتشكلت أنظمة في الغالب ليس لها عمق مجتمعي وجزء منها كان بدعم من دول غربية. فرضت هذه الأنظمة حضورها بدعم الدول العظمى لها أو بدعم قبيلتها أو بكليهما معاً وفي المقابل لم تكن قوى فعلية على الأرض تعتبر مناقساً حقيقياً لها.  باختلاف شكل النظام الحاكم سواء كان قبلياً أو جمهورياً ملكياً أو ديمقراطياً فجميعها مارس الاستبداد بأشكال مختلفة. فرض برامج إصلاحية لكنه بقي نظام مستبداً لم يقبل أي صور للمعارضة الا التي يصنعها هو. وبتتبعنا للحركات المعارضة أو الإحتجاجية عبر تاريخنا العربي نجدها حضرت لفترة من الزمن ثم تلاشت أو تم القضاء عليها ولم تشكل استمرارية تاريخية وتؤسس لنفسها عمقاً مجتمعياً وتفرض نفسها كقوة حقيقية على الأرض. لم يستمر كقوة حقيقية سوى القبيلة التي لا أجدها ممثلاً لمصالح مجتمعية وانما مرسخة للطائفية، كما لم تعد بقوتها التي امتلكتها في بداية الحكم الإسلامي بل استطاعت الأنظمة الحاكمة تطويعها لمصالحها ولخدمتها من خلال منحها بعض الإمتيازات.  وبالنسبة للحركات الإسلامية فهي لا تمثل المجتمع بقدر ما تمثل الدين وتميل لان تكون حركات احتجاجية على أن تكون جماعات لها أجندة ومصالح ثابتة.

هكذا ترتسم أمامي لوحة المجتمع العربي من منظور الديمقراطية.  لم يساهم هذا الواقع في خلق وعي يحترم الآخر ويقر بالتنوع خاصة أن الأنظمة الحاكمة عملت على إقصاء كل معارضة وإلغائها من الوجود بل ساهمت في تشكل وعي مضاد يهدف إلى إزالة الأنظمة الحاكمة نفسها من الوجود والحلول محلها حتى وان لم يمارس هذا الوعي على مستوى التنظير فقد حصل فعلياً على مستوى الممارسة.

 

الديمقراطية الصورية

لا يغيب عنا وجود مجالس نيابية وانتخابات وسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية وجماعات ضغط ومؤسسات نقابية ودساتير وقوانين عامة مجردة في بعض الدول العربية  لكنها مجرد مظاهر شكلية حيث يتفرد بالسلطة ويحكم البلاد فعلاً قلة من أصحاب النفوذ السياسي والمالي وبقية المجتمع بمؤسساته المتعددة ليس أكثر من ظلال لهذه السلطة المتنفذة التي تسيطر على كافة المفاصل الرئيسية في البلاد. لا توجد معارضة فعلية واعية لذاتها لها أجندة ومصالح واضحة وثابتة وتمثل قطاعاً من الشعب ولها أدواتها للتعبير عن نفسها والضغط، قد تحقق انتصاراً هنا أو هناك لكنها بالمنظور العام تبقي باهتة ولا تشكل منافساً حقيقياً للفئة الحاكمة.

الوعي الديمقراطي كشرط نفسي

ليست الديمقراطية مجرد شعارات ومؤسسات بل هي في الأساس وعي داخلي يحرك السلوك النظري والعملي وهذا الوعي الذي يشكل روح الديمقراطية يتمثل، في نظري، بالوعي بالتنوع واحترام الأخر المختلف ثقافيًا واجتماعياً ومذهبياً. بدون هذا الوعي كل حديث عن الديمقراطية مجرد هراء. وبمسح سريع للمجتمعات العربية نستطيع القول بغياب وعي ديمقراطي وانتشار الوعي الطائفي والانغلاق على الذات وفي بعض المناطق عداوة للآخر المختلف ومحاولة لإلغاء وجوده. السني ضد الشيعي، السلفي ضد العلماني أو الليبرالي ونماذج أخرى لا تنتهي.

 

ماذا بعد، هل الديمقراطية مطلب ضروري أم خيار؟

كما لاحظنا أعلاه نفتقد للبنية المجتمعية لبناء نظام ديمقراطي حقيقي، لكن السؤال الأهم ليس هل تصلح الديمقراطية لمجتمعاتنا العربية أم لا، وانما هل هي مطلب ضروري أم خيار. الإجابة على السؤالين ستختلف . الإجابة على السؤال الأول على ضوء المعطيات الواردة أعلاه سيدعم عدم إمكانية تأسيس نظام ديمقراطي في مجتمعاتنا العربية الحالية، أما الإجابة عن السؤال الثاني فستموضعنا في زاوية أخرى أكثر استشرافية وتحيلنا الى التفكير بطريقة أخرى سنعرضها كالاتي،

بقراء بسيطة في داخل أي دولة من المحيط العربي سنجد تنوعاً هائلاً عقائدياً وطبقياً وفي الاتجاهات والمصالح، بعضها في المركز والمعظم الآخر على الهوامش وهناك نتيجة لهذا التنوع، العديد من الصراعات الظاهرة للعلن والأخرى مكبوتة قابلة للإنفجار في أي لحظة، وبالرغم من التماسك الظاهر للدول العربية إلا أنها من الداخل هشَّة ومعرضة للإنفجار في أي لحظة أو للاستتباع مِن دول أخرى ومن جهات وجماعات لا إقليمية وليس خفياً على الملاحظ البسيط ما حصل ويحصل في بلادنا العربية بعد تفكك وانحلال بعض أنظمة الحكم القائم وعدم قدرة المجتمع على توليد نظام بديل أو بسبب ارتخاء قبضة السلطة، حيث نجد عدم اعتراف متبادل بين فئات المجتمع وطوائفه وعنف داخلي لا يرحم.  هذا الوضع لا يتم تجاوزه ومعالجته في نظري، سوى عن طريق بناء وتأسيس مجتمع ديمقراطي ينطلق من الوعي الديمقراطي والتحرر من الروابط القديمة كالقبيلة والانتماء الطائفي أو المذهبي وتأسيس روابط جديدة يفرضها التنوع القائم داخل المجتمع لا تقصي الطرف الأخر المختلف بل تتشارك معه إعادة الإنتاج الاجتماعي وممارسة السلطة. ثم بناء أطر ووسائل تعبير وآلية لمراقبة تطبيق القانون ثم منح السلطة القضائية سلطة أكبر في تفسير القانون والمتابعة لصلاحية ودستورية القوانين الموجودة. الديمقراطية هي آلية تعبير وتشارك وتبادل ومن جهة أخرى إطار للمارسة الاختلاف بطرق سلمية ومقبولة.

نتيجة لذلك الديمقراطية أصبحت مطلباً ضروريًا وإن لم تفرض نفسها علينا كواقع يتوجب علينا بناءها لإنها الضامن الوحيد للحفاظ على المجتمع بكل تنوعه القائم والإبقاء على الدولة متماسكة في مواجهة أي اختراق خارجي.

ليس الطريق سهلاً ومعبَّدا وإنما طويل وشاق لكنه يستحق التضحيات.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أشرف قراعين

فلسطيني من مدينة القدس. أتممت دراسة المرحلة الأساسية في السعودية . حصلت على لقب اول في القانون من جامعة اليرموك في الأردن. عملي الحالي محامي. باحث في قضايا الديمقراطية وفي المجتمع العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق