سياسة وتاريخ

الديمقراطية التي يطالب بها ويخشاها الجميع

لربما كان أعظم عضال استعصى على الفكر الوطني في غالبية القطريات العربية الفكاك منه هو دَمَقْرطة العقل السياسي على نطاق كل المستويات المجتمعية، بحيث تصبح مسألة صنع القرار السياسي والسيادي موثوقا في شرعيتها يقبل بها من يعارضها قبل من يتبناها في ظل آليات الديمقراطية.

والاستعصاء هذا متأت من تواصل مفعول البنية الفكرية والنفسية القديمة لدى الإنسان العربي التي لا يرى إلا من خلال صورتها مجتمعه بكل أساسات شاكلته وتشكلاته، من سلط وتنظيمات ومؤسسات، تلك البنية القائمة على القبيلة، الطائفة، الجهة والعائلة، وحتى لما جاء الإسلام ورسخ مبدأ نبذ العصبية الانتمائية على حساب منطق الحق والشرع، سرعان ما استعاد القوم جبلتهم الأولى بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وعادوا لما نهوا عنه وسطروا بالدم قصة الجرم الطائفي التي لم تعرف إلى يوم الناس هذا حلا لعقدته.

وحالما يتصدى متكلم في التاريخ للحديث عنه بمنطق الموضوعية الحيادية البحتة، يجد قبالته جمارك الحقيقة من مؤولة ومقولة التاريخ من مثاليي حركة التأريخ القديمة للإسلام وقوميين العافين سوى عمن تحدث بأصلية العروبة وفرعية الدين، وقد لا يعلم هؤلاء شيئا أهواء من كاتب التاريخ، وأن سردياته لست حقيقة وحي ولا وحي الحقيقة، إنما هي إنتاج بشر استوثقه أهله وخونه وكذبه غيرهم.

نقل عن عالم الاجتماع العراقي الشهير علي الوردي قوله، “لو خير المسلون في الانتخابات بين مشروع إسلامي وعلماني لانتخبوا الإسلامي ثم ارتحلوا ليعيشوا في بلد غربي علماني” ! مفارقة مضحكة لكنها تعكس بحق واقع الاغتراب العميق في إشكالية الهوية الذي صار مع تفاقمه وقلة الاشتغال العقلي عليه خارج أسوار وسياجات الإيديولوجية بشقيها الوضعي والسماوي الذي يحول دون تطور المسألة المواطنة بوصفها التجسيد العملي للوطنية (القُطرية) النموذج العصري الوحيد في ظل استحالة العودة إلى القهقرى في التاريخ والانتحار في وهم ما يسمى بالخلافة الأولى، وحكم رجل واحد من الصين إلى طنجة، أو دولة عربية لم يعثر على قبر لأسلافها في مقابر التجارب القومية الكبرى في التاريخ.

العربي مهووس بهويته ولا يفتأ ينزاح في اختراق طباقتها إلى حيث نواتها الانتماء الصلبة محتميا بها، وهو يمارس حقه في الوجود الجمعي، لذا باتت صفة المواطنة قيمة وهمية لا تعدو في وعيه حد الوثيقة الإدارية ورنين لفظها في الخطابات الرسمية والإعلامية ومدرجات كرة القدم حين تلعب المنتخبات الوطنية.

لماذا ليست للعربي قابلية للديمقراطية بوصفها روح الكيان السياسي (الدولة الوطنية) الذي تأسست عليه الوطنيات المستقلة أو حتى المصطنعة منها؟

الحقيقة هو سؤال صعب جدا على الباحثين في الشأن العربي إيجاد الجواب المناسب له لصعوبة هذا الشأن نفسه وتعقيداته، ذلك لأن غربة الإنسان العربي في التاريخ تظل عميقة بسبب ثقل الماضي وخفة الوعي به على كل المستويات العامة منها والخاصة الشعبية والنخبية.

القطائع الضدية التي اجتمعت في الجغرافيا والتاريخ بصدفة (تفاعل التاريخ) وبالصدمة (فعل الاستعمار) بين من يقطع مع الماضي باعتباره لا يعني الانبثاق الجديد في فضائي التاريخ والجغرافيا الجديدين، وبين من يقطع من الحديث بوصفه يغرب الذات الخاصة، عجز العقل العربي عن حمل أدوات التحديث السياسية التي تقترحها، بل وتلزم بها الديمقراطية الحضور بحظيرة الحداثة السياسية.

وعليه يظهر بأن عدم القابلية للديمقراطية، ليس يصدر عن تخلف قاعدي شعبي من أمية وفقر في التجربة والوعي السياسي فحسب، بل إنه لا يمتد إلى قمة النشاط النخبي في الأمة على صعد السياسة والفكر والاجتماع.

ويجدر بنا هنا أن نضرب مثلا بالتجربة البوتفليقية في الحكم لنستبين تطبيقيا الانحدار الفوقي في حمل وممارسة الوعي بشرطية الديمقراطية، لقيادة الأمة نحو الخلاص، فما الذي فعله بوتفليقة مذ قدم إلى السلطة في الجزائر سنة 1999، لتحديث السياسة ودمقرطة الممارسات المجتمعية؟

لم يفعل أكثر من استنساخ تجربة الجملكويات العربية، والتي هي غريبة عن ثقافة السلطة بالجزائر على علات هاته السلطة، حيث جلب معظم إطارات المنطقة التي ينحدر منها (تلمسان) وأعطاهم مفاتيح الوزارات السيادية حتى لا يتسرب إليه خطر انقلابي ما، آثر التحدث باللغة الفرنسية في كل تمثيلياته للجزائر خارج الفضاء العربي، كي يحافظ على ولائه لفرنسا ولا يغضب الجهات المناوئة للغة العربية بالجزائر وهي النافذة لجهات في كل مفاصل الدولة، فرض محاصصة خاصة بالتمثل النيابي النسوي لا يأخذ بعين الاعتبار ثقافة المجتمع السياسية، وهدف عبر ذلك إلى جلب ولاء النساء كي يكسب ود وصوت النساء ليستديم في الحكم لا غير.

من هنا يبرز التوظيف غير الموضوعي وغير التاريخي للديمقراطية من قبل نخب لا يهمها أن يشيع ويشع هذا المبدأ في المجتمع بقدر ما يهمها ما يغدق عليها به من مغانم ومكاسب شخصية في معارك السلطة والسياسة، وكان عاقبة ذلك أن لفظ الشعب حكم بوتفليقة الذي ليس فقط أخفق بجرمه في تحقيق الانتقال الديمقراطي للجزائر، لأن ما سلف من وصف لطرائق حكمه ووسائل بسطه من جهوية مقيتة لا يمكن أن يعمل على نقل البلد إلى مراحل متقدمة من الديمقراطية، بل إنه أعاد الأمة إلى حافة الحرب الأهلية الأولى لسنة 1962 أي عقب الاستقلال مباشرة.

لكن ثمة مشكل آخر في الجهة المقابلة، وهو أن من يعارضون نموذج حكم بوتفليقة الجهوي القبلي الأسري والشللي، ليسوا يعارضونه من المرآة المفهومية للديمقراطية، بل من باب المناكفة الطائفية والعصبية أيضا، فلا يزال جل المتَنَخِّبين (من النخبة) لا يرون في معركة الوجود الوطني التي عصفت بحكم بوتفليقة وتريد اقتلاع النظام الذي أنجبه، لتحرير البلاد من قبضة اللحظة الاحترابية الأولى التي تلت الاستقلال وأتت على الشرعية باسم الحفاظ على الوحدة الوطنية، – لا يرون فيها – سوى فرصة لانتزاع الغنيمة القديمة وهي فرض حكم طائفتهم أو شريحتهم أو شلتهم، وهو ما كان قد عبر عنه رجل القانون المحامي مقران آيت العربي بقوله (ليست الديمقراطية تعني حكم الأكثرية) ! في إظهار غريب لتخوفه من حكم الأغلبية التي لا تشكلها طائفته (القبائل) داخل النسيج المجتمعي.

وهنا يذكر الجميع بأن حزب طائفة مقران آيت العربي (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) كان قد آثر التحالف مع المؤسسة العسكرية للانقلاب على انتخابات 26 ديسمبر 1991 التي فازت بها حينها الجبهات الثلاث الأغلبية للجبهة الإسلامية للإنقاذ ثم جبهة القوى الاشتراكية (ذات الأصول الامازيغية) وجبهة التحرير الوطني.

فواضح إذن هو أننا كعرب لم نستوعب منطق وحتميات الدولة الحديثة قبل الحديث عن الوعي بآليات وروح اشتغالها، هذا الانعدام هو مع الأسف فوقي وعمودي، سياسي وثقافي، نخبي وشعبي، ولا تزال مؤسسات بناء الإنسان المواطن التعليمية والتثقيفية والتربوية أضعف في إنتاجها وخطابها المعرفي التوعوي من سوق الأفكار الموازية التي تلجأ إليها العقول الشعبية استئناسا بزخم الذات الخاصة وشرعيتها وألقها في الماضي، مثلما تلجأ إليها أيضا العقول السياسية بغرض استغلالها في الأعراس الانتخابية.

هكذا انفراط لعرى عناصر البناء الوطني، جعل من الصعب التأسيس الواعي للدولة ودولة الوعي قبل الحديث عن آليات وأدوات وروح سير وتسيير الدولة، وطالما أننا اتخذنا من تجربة بوتفليقة عنوانا لفشل مشروع الانتقال الديمقراطي، فحري بنا أن نواصل التدليل على اندحار الشعار النخبي في تحديث الوعي وبناء الدولة على أساسه في تلكم التجربة.

فبوتفليقة استطاع بخبث الوشاية الذي تشربه من تجربة حرب الشرعية التي سبقت الاستقلال الوطني، حشر إلى مائدة الغنيمة كل مثقف حزبي من أضضاد التيارات، من أمازيغي متعصب إلى إسلامي متطرف إلى وطني متعرب إلى ديمقراطي مُترف، جعلهم يتنازلون عن مبادئهم الأولى (قيم وتقاليد تياراتهم الايديولوجية والفكرية) بل عن الديمقراطية كشرط لتحديث الوعي بالدولة وجريان شأنها، فصاروا ينافحون ويدافعون عن العُهدة بعد الأخرى لحكم بوتفليقة بما يتيح لهم تحقيق مصالحهم الخاصة.

ولعل هذا ما تفطن إليه العراقيون واللبنانيون من خلال منطق المحاصصات الطائفية التي أريد لها أن تكون حلال لطغاة الديكتاتوريات الحزبية الأولى وحكم الشخص بطائفته، قبل أن يعقلوا حقيقة ما استجد، وهو أن شكل الاستبداد والغيان قد انقلب فقط وأصبحت الطائفة تحكم بشخصها، واستأثر بعض الشعب (النخب) بخيرات كل الشعب، ما أوقد فتيل الثورة التي يجب أن تتأملها نخبها بحيث تتأسس في الوعي وليس فقط في الواقع، لأن الواقع يفتر ويبدد ويتبل بينما الوعي يظل راسخا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى