مدونات

الديانة الإبراهيمية والديانة الإسلامية

الديانة الإبراهيمية معناها دمج الشرائع الثلاث (الإسلامية والنصرانية واليهودية) في ديانة واحدة تجمع المتفق عليه بين الشرائع الثلاث، وذلك لإيجاد وسيلة للتقارب والتلاق والتعاون بين أتباع هذه الشرائع. والسر في اختيار هذا المسمى تحديدا يعود إلى اتفاق أتباع الشرائع الثلاث على نبوة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام لكونه أبا الأنبياء، في حين أن اليهود لا يعترفون لا بالإسلام ولا بالمسيحية، والنصارى لا يعترفون بالديانة الإسلامية، فكانت الدعوة إلى الديانة الإبراهيمية هي الحل الأوسط الذي يجتمع عليه أتباع الشرائع الثلاث.

وهذه الدعوة ليست جديدة بل هي قديمة ولكن تتجدد كل حين، وذلك تبعا لتغير الأنظمة السياسية وتبعا لحالة القوة والضعف التي يمر بها العالم الإسلامي من حروب أهلية وتفرق وانقسام. وهي في تجددها اليوم وراؤها أبواق ودعاة وهالات إعلامية كبرى تلبس الباطل كل لبوس تراه، وتزينه وتجمله وتسحر به كل عين وتطرب له كل أذان. ولكن بشيء من العقل وقراءة التاريخ الإنساني والإسلامي كله نعرف أن هذه الدعوة باطلة لا تستند على شيء من الحقيقة أبدا.

فلم يكن لسيدنا إبراهيم عليه السلام دين يغاير دين الإسلام، بل الدين الذي دعا إليه إبراهيم الخليل عليه السلام هو الدين الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تماما بتمام. مصداقا لذلك قول الله تعالى”: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”، وقوله تعالى شأنه حكاية عن سيدنا إبراهيم “:إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ”.

فالدين الذي اتبعه سيدنا إبراهيم عليه السلام هو الدين الذي أمر باتباعه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى:”قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. وهو أيضا دين الأنبياء قاطبة كما وضحت ذلك في مقالات سابقة على صفحات هذا الموقع، فلم يكن لكل نبي دعوة تغاير دعوة أخيه، بل كلهم يدعون إلى إله واحد ودين واحد.

ولكن التاريخ الإسلامي كما وضح لنا القرءان الكريم دوما ما يسلط الضوء على الملة الإبراهيمية كما نرى ذلك مكررا في آي الذكر الحكيم على نحو قول الله تعالى”:وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا”. مع أنه كان قبل إبراهيم الخليل عليه السلام أنبياء كثر كآدم وإدريس ونوح وهود وصالح وكلهم دعوا إلى الإسلام. وذلك لأن معالم الإسلام قد محيت في زمن إبراهيم الخليل عليه السلام، ولم يبق على الأرض موحدا لله تعالى. فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يجعل من تجربة إبراهيم عليه السلام في فتوته وشبابه آية ودليلا على أن العقل إذا صاحبته فطرة سليمة يستطيع أن يتوصل بذلك إلى خالق الكون سبحانه.

وهذا ما قصه علينا القرءان في ثنايا سورة الأنعام ثم سورة الأنبياء ثم سورة الشعراء ثم سورة الصافات، إنه الشاب الفتي الذي نشأ يبحث عن موجده وخالقه وإلهه، فقيل له إنه ذلك الصنم والشمس والقمر وما يدور في الفلك. فأخذ يبحث ويتأمل ويعيد النظر في دعواهم حتى علم يقينا أن من وراء هذه المخلوقات خالقا مبدعا حيث قال الله على لسانه:”إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ”. وليس معنى هذا أن العقل وحده يمكنه إدراك الشرع وما ينصلح به حال العالم، ولذا قال الله تعالى حاكيا حال إبراهيم عليه السلام:” فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ”. ومعنى الضلال هنا هو تلكم الحيرة التي صاحبت الشاب الباحث عن الحق، وهذه الحيرة هي النتيجة النهائية التي يقف عندها العقل حتى يأتيه مدد الحق بالشرع.

فعناية الإسلام إذن بسيدنا إبراهيم بسبب أن تجربة سيدنا إبراهيم حجة لله على خلقه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى حتى يتأسى به جميع الخلق في ثباته منفردا ويقينه بالحق منفردا عن عالمه. وقد بان لنا من هذا أن دين إبراهيم هو دين الإسلام، وليست الدعوة الإبراهيمية إلا دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى الذي دعا إلى هذه الديانة أن يدعو إلى دين الإسلام فذلك أولى به، قال الله تعالى:”إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ”.

وقد يقول قائلهم: إذا كانت الدعوة الإبراهيمية هي دعوة الإسلام، فإذن لا خلاف بيننا فهلم بنا لاتباع الديانة الإبراهيمة ليجتمع شمل العالم على كلمة سواء. وهذا قول حق يراد به كل الباطل. فدينكم الذي تدعون إليه هو دين مؤلف من شرائع قد ثبت تحريفها، ودينكم مؤلف من أهوائكم وضلالكم الذي تطمسون به وجه الإسلام، ودينكم هو دين الماسونية الممهدة للمسيخ الدجال. أما الدين الذي دعا إليه إبراهيم فهو دين الإسلام الكامل التام شرعة ومنهاجا الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا إليه وهاجر وجاهد من أجله، وهو الباق إلى يوم الدين، ولن نترك بعون الله ما نعرف إلى ما لا نعرف.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

سعيد الشيمي

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر
زر الذهاب إلى الأعلى