سياسة و تاريخ

الدولة القطرية العربية وجدلية النشوء بين العنف والوعي! (ماذا تبقى لها من السيادة؟)

سؤال تفرضه سرديات التاريخ ونقديات الدولة العربية المعاصرة، بحيث يكاد رواة التأسيس يجمعون على تطابق الحالة من مشارق الوطن العربي الكبير إلى مغاربه، مع اختلاف في الدرجات والوسائل فقط، بأن الجيوش هي التي أنجبت “الدولة العربية القطرية المعاصرة” من رحم الاستدمار التاريخي الداخلي الذي تسببت فيه عقود من الرقود الحضاري، وما جلبه على الأمة وتسبب لها فيه من استعمار خارجي.

وعليه لا يتوجب أن يقتصر الفضل في ذلك على مجرد الحكي التاريخي، وإنما يجب أن يقبع (العسكر) في مركزية إدارة هاته الدولة والهيمنة على مصيرها وتشكيل ملامحها ليس الحاضر منها فحسب بل والماضي أيضاً.

قداسة وأولية العسكري في وجدان الدولة القطرية العربية

لهذا لا نكاد نقرأ من تاريخ الدولة القطرية العربية سوى عنف التأسيس ودوره في إيجاد الحدود السياسية للكيان المعاصر، وبذا تم الإطباق على الوعي العربي بالأسبقية الحربية للكينونة الوطنية، فترسخت قداسة وأولية العسكري في الوجدان الوطني عبر أجيال متتالية، حتى إذا ما وصل التغيير التاريخي في السياسة فارضًا نموذج المدنية الشاملة، وإلحاق كل المفاهيم المتصلة بفاسفتها والمصالح العضوية للسياسة والادارة بها، مثل الدين والعسكر وانزياح الأمم لها كمبلغ عقلاني للانسانية، دق ناقوس أزمة الهوية في بلادنا العربية وانطرح سؤال الكينونة والايلولة على حد سواء، وتفجر الجدال والسجال حول الترتبيات والأولويات والثنائيات، عسكري/سياسي، ديني/مدني، قومي/ قطري.. إلخ.

ما موضوعية القول بالتأسيس الحربي للدولة العربية القطرية المعاصر؟ وأي شرعية يمكن أن تحوزها لاستبقاء مصير المجتمعات بيدها؟ وهل موجة الربيع العربي هي وسيلة وعي ناجع للتخلص منها كمرحلة في التاريخي السياسي للعرب؟

سبق وأوضحنا بأن الوجود يسبق الوعي والإيجاد يلحق هذا الأخير، ما يعني انتفاء العدم الكينوني التام للدولة العربية القطرية، مثلما تصدح به بعض الأبواق المرددة لصوت الاستشراق و”استسراق” التاريخ العربي، فملامح الاشتراك الخاص الضيق جغرافيا والمتطابق ثقافيا عملت على تعزيز الوعي العفوي بالوجود القطري الخصوصي لكل قطر عربي، مع تدخل طبقا لقوى الخارج (الاستعمار) التي قسمت وقزمت من عظمة وعملاقية الأمة ككل بأن رسمت حدودا لكل جزء بحسب ما تبتغيه في شاكلة التجزيء التي اتبعتها.

لكن الوعي بالانوجاد التلقائي الذي ساد أدبيات تناول تاريخ القطرية العربية على حساب الوعي بالوجود الحاصل، كرس نظرية الطارئية للقطرية العربية وربطها بالعامل العسكري الذي قاوم الاستعمار بكونه موجدها، ماحيا بذلك أثر الوعي ومن اشتغلوا به وعليه لنقد الاستعمار ونقض خطابه النافي للكينونة الوطني العربية.

وحتى لا نتيه في الجدل النظري الفلسفي حول سؤال هل كان نشوء القطرية العربية عسكري أم السياسي، سنحاول اتخاذ نموذج تطبيقي في التحليل والتعليل خاص بالحالة الجزائرية لكونها مليئة بالعناصر مشكلة لذلك السؤال المعقد.

فالجزائر ومنذ فجر بداية تصدع القوميات الكبرى وسقوط نمطها الإمبراطوري الكلاسيكي ابتلعتها فرنسا لمركزيتها في الشمال الإفريقي، ولم يضطر الاستعمار الفرنسي سنة 1883 لأن يوجد لها اسما لكونها كانت تحمله منذ القرن السادس عشر “دولة الجزائريين” غاية ما فعل أنه ترجمها للغته الأعجمية Algérie وراح يأكل في جغرافيتها الممتدة التي كان خراجها يصل اسطنبول عاصمة الخلاف العثمانية، مواجها “مقاومات شعبية مسلحة” بعد القضاء على القوات المسلحة للدولة.

بمعنى أن الساكنة هم من تولى بوعيهم وحسهم الوطني مسئولية تحرير أرضهم في ظل انسحاق المقاومة العسكرية الرسمية التي كانت تطلع بها القوات النظامية لدولة الخلافة.

وفي ذات السياق: مفهوم تحكم الدولة بكل مقوماتها في عصر العولمة

مقاومات متتالية لم تتوقف..

كانت تفرز أشكالًا من العمل الوطني بين السياسي والحرفي والثقافي وهو ما كان يراكم من رصيد للتجربة النضالية الوطنية ويرسخ الوعي بالوطن تاريخا وجغرافية على حد سواء.
وبالموازاة مع تطور الظاهرة الاستعمارية فكرا وأدوات كانت المسألة الوطنية والوعي بها يتطور أيضا، خصوصا مع انتشار التعليم وسط الأهالي واحتكاك الأجيال المتمدرسة الأولى بمدارس الاستعمار وبالفكر التربوي الاستعماري، انقلب الوعي إلى مستويات أخرى من السؤال المتلاطم بطلاسم الاستشراق والتغريب فدخلت الهوية وتطور مفاهيمها المعرفية مسرح الجدل النخبي حتى أنكر فرحات عباس المثقف الكبير الذي درس في مدارس وجماعات المستعمر وجود أمة اسمها الجزائر، وفق محددات نظرية الأمة لفكر الغربي، قبل أن يتطور فكره النقدي لتاريخية الأمة الجزائرية ويلتحق بالوطنية المكافحة للاستعمار.
وفي الوقت الذي كانت تشتغل فيه النخب المثقفة على مستويات سؤال الهوية، بين اندماجي (مع المستعمر الفرنسي) ومدافع جزئي عن الهوية (الاسلامية) جمعية العلماء، وأممي (متصل بالحركة الشيوعية) الحزب الشيوعي الجزائري، كان الرفض العفوي للشعب المتفاعل بتلقائية التكوين التاريخ للشخصية مع عناصر الهوية كالعربية لغة والإسلام دينا والجزائر وطنا مستقلا عن فرنسا، يتعاظم ويعنف حيال الاستعمار، حتى وصل حد تشكيل منظمة خاصة التي كانت العلامة الأولى المؤشرة على قرب التحول للعنف الثوري أي العمل المسلح وهو ما حصل مع تشكيل جبهة التحرير الوطني أولا كجهاز سياسي ويرافقها جيش التحرير الوطني مكون أصلا من أشاخص سياسيين لم يدرسوا أو يتدربوا في أي من الكليات والمدارس الحربية، لتحقيق أهدافها وهي نيل الاستقلال بقوة العمل المسلح، لكن مع دنوا هذا الاستقلال اشتعل الصراع حول غنيمة الحرب بين هؤلاء المناضلين السياسيين المدنيين من ظل منهم على نشاطه السياسي داخل الحزب ومن انتقل إلى النشاط العسكري بالجيش، وبحكم امتلاك الطرف الثاني للقوة حسم الحرب لصالحه وتفرد بالدولة ثم لم يقل فقط بفضله في توحيدها بل بإيجادها حتى !

من هنا تتضح، على الأقل في التجربة الكفاحية للجزائر، حقيقة تبعية العسكري للمدني في تطور الوعي الوطني بصفته نشاطًا عقليًا سياسيًا وثقافيًا في رسم الكينونة القطرية ودولتها، وليس كما تسعى إليه السرديات الرسمية في ترسيخ الوعي الخاطئ القائل بالأصل العسكري بالقيام الرسمي القطرية العربية، وهذا بغية البقاء في مركز الوجود الوطني تاريخًا وفكرًا وسلطةً مهما استجد من أسرار التاريخ النضالي الوطني المحرف في أكثر من تجربة، ومهما طرأ من تحولات في معرفية وتطبيقية للسياسة في العالم.

قد لا ينسحب النموذج الجزائرية بحرفيته الكاملة على باقي قصص القطرية العربية الباقية، لكنه يلتقي في أبرز ملامحها وملاحمها، وإلا فكيف يمكن النظر إلى عنصر الأزمة المركزي المشترك بين كل هاته القطريات ذلك المتصل مباشرة بالهوية على مساريها الثقافي – (الاثني الطائفي والمذهبي) والسياسي – (السلطوي عسكري/مدني) الذي لا يخلو من قلاقله قطر واحد، وهو في نظرنا العنصر الذي تتأسس عليه كل أزمات شعوب وأوطان العرب ويشكل سبب غربتها عن التاريخ اليوم.

سؤال أخير: الديموقراطية في أزمة حول العالم. ما السبب؟

برجاء تقييم المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق