سياسة وتاريخ

الدستور والنظام القانوني وثقافة الشعب

الدستور والنظام القانوني وثقافة الشعب .. يرى بعض المهتمين بالشأن العام وعلوم إدارة الدول والمجتمعات في الدساتير وكأنها العصا السحرية التي بضربها تنحل كافة المشاكل السياسية والإقتصادية والإجتماعية في الدولة. وبالرغم من أن هذه النظرة تعتبر إيجابية ومحمودة في ذاتها إلا أنها نظرة غير دقيقة. صحيح أن الدساتير على قدر كبير من الأهمية، ولكن يبقى وجودها غير فعال بالشكل المطلوب في ظل غياب عوامل أخرى مثل ضعف أداء قوة إنفاذ القانون في البلاد، وغياب الثقافة العامة التي تحترم الدساتير والقوانين المنبثقة عنها.
الدستور والنظام القانوني .. الدساتير لا تتطرق لتفاصيل الأمور، بل ترسم الخطوط العريضة بشكل شبه عام، أما التفاصيل فتترك للقوانين المستمدة من روح فقرات مواد الدساتير نفسها، والتي تمثل الزاوية الكبرى الأولى في بنيان الدولة، وتبقى زاويتان على ذات القدر من الأهمية، وهما النظام القانوني والثقافة. أما النظام القانوني فهو يمثل مجموعة القوانين واللوائح في البلاد، أما الثقافة فتعبر عن مدى إحترام الناس وقدرتهم على تنفيذ هذه القوانين بكل جدية وبدون تمييز، وتعبر كذلك عن مدى حرفية واستقلالية أجهزة إنفاذ القانون الجبرية والعدلية.
كما أن القدرة والثقافة على إنفاذ القانون تستمد من النظام القانوني نفسه، والنظام القانوني يستمد من البنية الدستورية ورأسها الدستور، وفي أقصى عطاء لها تصبح الثمرة النهائية هي إمتلاك مؤسسات دولة حديثة وقادرة على أن تعاقب أو تكافئ الناس بما يستحقون، وقادرة أيضاً على التوظيف السليم، وقادرة كذلك على أداء مهامها بصورة صحيحة ومرنه رغم التعقيد المؤسساتي والبيروقراطي المحتمل، والأكثر أهمية أن تصبح المؤسسات قادرة على حماية نفسها من كل من يحاول الإخلال بالشأن والنظام العام أو التعدي عليه. يطلقون على هذه الحالة “التنفيذ والحماية الذاتية”، وهي المستمدة من النظام القانوني المستمد بدوره من البنية الدستورية العليا.
الدساتير ليست ثابتة بشكل مطلق، وإنما تتطور بتطور ثقافة الشعب والدولة، ولا يعيبها التعديل، وبموافقة محكمة دستورية أركانها الخبراء، ولأسباب مقنعة مثل تسهيل مسيرة الدولة التنموية أو تحصينها أمنيًا أو مواكبة تطور ثقافي وقيمي محلي كان أو دولي.
الدستور والنظام القانوني ..
هناك مبدأ ينسب للرئيس الأمريكي الثالث والفيلسوف ورجل الدولة توماس جيفرسون حيث يقول بأن الأموات لا يجب أن يحكموا الأحياء، ويشرح فيه أن لكل جيل الحق في كتابة دستوره بنفسه، وهذا يعني أيضًا بأّن لكل جيل الحق في تعديل الدستور والقوانين واللوائح والتشريعات بما يناسب ثقافة عصره وما يواجهه من تحديات في مجالات مختلفة من الحياة، ومن المصادفات أن هناك دراسة مقارنة قام بها عالم السياسات المقارنة الأمريكي الشهير من أصول أرجنتينية خوسيه أنطونيو شيبوب حيث درس فيها متوسط أعمار دساتير العالم ووجد أن متوسط عمر الدساتير يبلغ عشرون عام وهو ما نادي به الفيلسوف توماس جيفرسون قبل أكثر من مئتين عام!.
ونقصد بتطور الدستور هنا هو تلك التغيرات الطفيفة التي تحدث عليه بتوصيات لجان تنفيذية رأت بأن هناك ضرورة لذلك التعديل لغرض التحسين أو التحصين في حقل ما من حقول الدولة ويوافق على ذلك المجلس التشريعي بأغلبية ساحقة، ويوافق على ذلك التعديل المقترح أيضًا القضاء الدستوري الذي يتوقع منه أن يضم خبراء في العلوم السياسية، وليس فقط خبراء في القانون، ولا يقصد بتاتًا بالتعديلات الدستورية المتوقعة تلك التغييرات الثورية الجارفة التي يرغب بها بعض القادة من أجل التهرب من المحاسبة، أو من أجل تعزيز سلطاتهم، أو من أجل الإستمرار في الحكم أطول فترة ممكنة.
تحافظ الدساتير أيضًا على طبيعتها التوافقية حيث تكتب لتجمع لا لتفرق، وفي فقراتها روح الرضا لكافة مكونات المجتمع، وهو ما يعرف بالتحصين حيث يسود العدل والرضا بين مكونات الدولة، ولا يترك مجال للاختلافات الكبيرة وما قد تجره من تفرقة وأزمات. وتبقى أيضًا قدرة الشعب على إحترام الدساتير والقوانين المنبثقة من فقراته على قدر كبير من الأهمية، بل أهم من درجة تعقيد فقرات الدساتير نفسها. أما بالنسبة للشعوب ذات الخبرة الجديدة فمن المهم لهم أن يكون الجانب السياسي لدستورهم المنشود مبسط وغير معقد لكي يسهل فهمه والعمل به وترسيخ ثقافة احترامه وتقديسه، مع قابليته للتطور مع مرور الأجيال المتلاحقة وذلك تتبعاً لتطور ثقافة واحتياجات الأجيال إذا ما كتب للحياة أن تستمر.
الدستور والنظام القانوني ..
لقد درسنا النسخة الحالية للدستور الليبي الجديد، وبالرغم من أَن من كتبوها ليسوا لجنة من الخبراء كما هي العادة في دول العالم حيث أن مسألة صياغة المسودة الدستورية هي أمر فني صرف، بل هم أناس أتوا عن طريق الانتخابات أخذاً بعين الإعتبار الخصوصية الليبية، ولكن لاحظنا أَنّهم أنجزوا نسخة دستورية متطورة وعصرية، والمجهود الذي بذل فيها يستحق الإحترام والثناء، ومع هذا أخذنا عليها بعض النقاط التي قد تضعفها، ولكنها لا تنقص بتاتًا من شأنها.
أولى هذه النقاط هي تفويض النسخة الحالية للحكومات والقوانين اللاَّحقة للبث في مسائل مهمة وحساسة مثل مسألة التعذيب لضرورات الأمن القومي، وغياب اللغة القطعية في بعض المسائل المهمة وتأجيل البث فيها لاحقًا.
أما ثاني هذه النقاط هي الطريقة التي تم بها توزيع السلطات حيث إنها متطورة إلى درجة التداخل والتعقيد، وقد تدخل البلاد في تخبط ونزاع بين السلطات المختلفة في المستقبل مما ينتج عنه أزمات سياسية ذات طبيعة دستورية وقانونية تواجه الحكومات والسلطات القادمة، وهنا تصبح عملية توازن السلطات حافز لصراع السلطات، ومثل هذه الخصومات قد تجر البلاد للاضطرابات التي قد تخرج من قاعات المداولات إلى مدافع المدن والبلدات. قد يجد الناس صعوبة في العمل بالدساتير المعقدة أثناء تجربتهم الأولى معها مما ينتج عنه شئ يطلق عليه “جمود السياسات” بحيث تستطيع أي سلطة تشريعية إيقاف إجراء حكومي ولو لأسباب سياسية أو مساومات مصلحية، ومع هذا فإن النسخة الحالية تبقى ورقة دستورية متطورة وحديثة وعمل إيجابي جدًا، ونتمنى أن ترى النور قريباً، وأن يجد الليبيون للإستفتاء عليها سبيلاً لعلها تخرج البلاد من نفق المراحل الإنتقالية البائس، وقيمة هذه المسودة الدستورية اليوم في ليبيا بقيمة المصباح المفقود في الليلة الظلماء، ويبقى وجود دستور ولو كان متواضع خيرًا من عدم وجود دستور.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Abdurraouf Elakder Alyoncee

عبد الرؤوف عبد السلام الأخضر اليونسي طالب دكتوراه في السياسة المقارنة والسياسة العالمية بقسم الدراسات الدولية بجامعة كليرمونت للدراسات العليا بكاليفورنيا. تشمل اهتماماته قضايا النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة، والعقوبات الدولية، وقضايا البناء الدستوري والقانوني والبيروقراطي، ودراسات تقييم حيادية القضاء الدستوري والمحاكم العليا، ودراسات تحسين أداء الحوكمة المحلية وفاعلية المؤسسات السياسية وتأثيرها على الاقتصاد والمجتمع.

‫2 تعليقات

  1. المؤسسة العسكرية اها خصوصيتها التي قد تتعارض مع الدستور فهل نتركها تحت تصرف رئيس منتخب ربما كان تاجر او ممتل أو لاعب تتقادفه الأهواء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى