سياسة وتاريخ

الدبلوماسية الافتراضية وآفاقها الواعدة

إن الوظيفة الدبلوماسية من أرقى العلاقات وأهمها فى واقع الحياة الإنسانية ومستقبلها، وقد طورت السفارات الحديثة والمعاصرة أنظمتها، وشهدت تطورا عالميا فى أعمال الرسل والسفراء والدبلوماسيين، ولما كان ارتقاء الأنظمة الدبلوماسية ونهوضها المستمر يحتاج إلى التطوير المتجدد  حتى لا تقل مصداقية  العمل الدبلوماسى أو تضعف رسالته وسط هذه المتغيرات الاجتماعية الإنسانية فالتوقف عند الدبلوماسية الافتراضية يفتح الأبواب أمام محاور كثيرة لفاعليتها وتأثيرها  في المستقبل.

وإذا كان السفير في عرف الجمهور هو شخص يستمتع بالكثير من السفر والفخامة فى حياته ،بالإضافة للمكانة الاجتماعية والدولية الراقية كممثل  حضاري لبلده فإن هذه الوظيفة وحدها لا تمثل الآن الحقيقة الكاملة بالطبع، فالدبلوماسية فن يتطلب الكثير من الخبرات والقدرات الشخصية والثقافة وهو عمل معقد، ولكن الحقيقي والمؤكد أن هذا التعقيد سيزداد في المستقبل القريب، لأن العالم كله يزداد تطورا وتداخلا، بحيث سيتطلب العمل الدبلوماسي الكثير من الثقافة، والمعرفة ، والتقنية، كما سيتطلب الكثير من الإبداع والقدرات الاتصالية الواقعية والافتراضية أيضا.

من أهم ملامح الواقع المعاصر هو عبور التقنية وتطبيقاتها وشركاتها القارات، وهذا ينطبق على الشبكات الاجتماعية التى تسير على قدر كبير من إنتاج المحتوى، والحوارات الاجتماعية، ومنصات التجارة الإلكترونية، والخدمات الافتراضية والترفيهية، لقد غير التقدم الهائل الذى تم إحرازه في ميدان الاتصالات من ظروف ممارسة العلاقات الدبلوماسية تغييرا عميقا  إن لم يكن غير من طبيعة هذه العلاقات نفسها ومنطلقاتها.

هذا يعني أن التأهيل المعرفي، والتكنولوجي للدبلوماسي في المستقبل ليعمل من خلال إطار افتراضي يتطلب تكوينه إبداعيا بما ينظم العلاقات الدبلوماسية فى مجتمعها الافتراضي الواسع، وبما ينظم العلاقات الدبلوماسية في أجوائها الاتصالية السريعة، ويصنع بصمات إنجازاتها ونجاحاتها الممتدة ويبني لها مستقبلا واعدا من المبادرات الدبلوماسية الجديدة التي تطور العمل الدبلوماسي فى كثر من نواحي مساحاته الدولية المشتركة.

ويعني أيضا أن التميز سيصبح صفة أساسية للدبلوماسي الافتراضي الناجح، ليس فقط لإيجاد حلول جديدة للمشكلات الكثيرة التي تولد مع كل صباح. إن الوصفات الجاهزة في التعامل مع كل تحدي دولي، هى ما يعتمد عليه الدبلوماسيون الكسالى اليوم، وستصبح أمرا من الماضي.

كما تتميز الاتصالات -وفق نموذج الدبلوماسية الافتراضية بأن الاتصالات فيها مفتوحة ومباشرة، وتفاعلية، وتؤسس على المدى المتوسط والطويل لخلق قوة ناعمة تخدم أهداف الدول وتوجهاتها الدولية، بما يمكنها من التأثير الدبلوماسى الإيجابي  والتفاعل الواسع من خلال الشبكات الاجتماعية، وبناء عقول وقدرات دبلوماسية تبتكر، وتطور رسالتها ووظيفتها، وتمنح السلام بقوة.

تتيح الدبلوماسية الإلكترونية للدبلوماسيين الاتصال بشعوبهم، والشعوب الأجنبية والاستماع إليهم والحوار معهم، هؤلاء الناس الذين انتقلوا وتواجدوا على الإنترنت، إضافة إلى فرض تأثيرهم في عالم الإنترنت المزدحم على نحو متزايد، وتحويل معلوماتهم لصيغ  وقنوات حوارية، تدعم السياسة الخارجية للدول بنجاح من خلال دبلوماسية افتراضية مقنعة، وغير تقليدية أو مكلفة.

كما تتميز الدبلوماسية الافتراضية  أيضا بالتفتت والاندماج : عبر سهولة إنشاء روابط إلكترونية افتراضية بين المجتمعات المختلفة بما يعمل على سهولة الاندماج وفي نفس الوقت القدرة على التعبير عن الهوية الذاتية، كما أن شفافيتها شكلت لصانعي القرار قضايا تتعلق بكيفية التعامل مع المعلومات والضغوط، كما أن سرعتها تسمح بتجاوز الزمان والمكان وقيود الجغرافيا بما ينعكس في تسريع الخطى لاحتواء الصراعات، والتدخل الإنساني.

لقد منح الفضاء الالكتروني كل العاملين في الحقل الدبلوماسي الفرصة للتعبير عن إمكانياتهم، وقدراتهم، وطموحاتهم، وابداعاتهم وشكل لهم حيزاً كبيراً في جمع المعلومات وإيصالها إلى دولهم، و تعزيز قدراتهم، وتسهيل المتابعة لما يجري داخل بلدهم أو داخل الدولة التي يتواجدون بها، بغية خدمة أوطانهم والتقدم في سلمه الدبلوماسي ويكون الدبلوماسي أحد المتميزين إذا ما أراد أن يضع بصمة متميزة تميزه عن زملاءه، كما أتاح الفرصة للدبلوماسي للتدريب عن بعد عن طريق الإنترنت، والعمل على رفع قدراته العلمية واللغوية، كم منح هذا الفضاء أيضا فرصا فريدة لوزارات الخارجية من خلال تأسيس سفارات افتراضية في المناطق التي لا تمتلك الدولة حضور دبلوماسي لذلك بتطوير مواقع إلكترونية تؤسسها الوزارة بالدولة المعنية، وتكون ذات خدمات موسعة، وحية، ومتطورة.

وواقعيا فإن هذه الدبلوماسية الافتراضية الجديدة – بمحاكاتها للواقع الدبلوماسي الفعلى – ستمكن الدول من خلق بيئات واسعة للسلام ، والحوار  ، والإبداع  ، والتنمية ، وستساعد المجتمع الدبلوماسى الدولى على توفير قوانين دولية تؤطرها  ، وتوفير اعتماد تمويلات خاصة بالابتكار الدبلوماسي التكنولوجي بما يسمح بالتشارك السريع فى المعارف والعلاقات، وبناء ثورة دبلوماسية افتراضية، ورسائل دبلوماسية سلمية، وجذابة، وقدرات اتصالية قوية، وعلاقات دولية ناجحة.

كما أنها ستهيئ للتعامل الدبلوماسي الذكي والمتطور مع حاجات الإنسان ومشكلاته، وتعمق الروابط الإنسانية المشتركة بين سكان الأرض، وتوفر أوجه جديدة من التعاون الدبلوماسي الذى ينمي الازدهار للدول، ولن يصبح التواصل الدبلوماسي صعبا، أو معقدا، أو عاجزا عن التعامل مع المستجدات الاقتصادية، أو الطبية، أو الثقافية، أو الفنية، أو التكنولوجية التي يمكن أن تقلق مستقبل الدول، أو تزعزع مصيرها.

المصادر:

  • د/وليد حسن الحديثى : الدبلوماسية الرقمية ووسائل الاتصال الحديثة وأهميتها فى العمل السياسى والعلاقات الدولية – ورقة مقدمة إلى ندوة معهد الحوار العربى للتجديد من 2- 3 /6 /2019م
  • د/ مصطفى بخوش : مستقبل الدبلوماسية فى ظل التحولات الدولية الراهنة – مجلة المفكر – العدد / 3/2013 م
  • أحمد عبد المجيد : الممارسة الدبلوماسية (مابعد كورونا)- صحيفة البيان الإماراتية 11/ 4/ 2020م
  • عمار بكار : دبلوماسية المستقبل، مبدعون ورواد أعمال – الحرة 16 أكتوبر 2013م
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى