مدونات

الخيال والواقع

كل شجرة كانت ثمرة و كل إنجاز بدأ بفكرة، فلا يوجد من حقق طموحاته دون أن يبدأ بتخيلها و تصورها أولًا. إلا أننا سنتحدث الآن عن الخيال و الواقع و العلاقة بينهما، هل يتناقضان أم يكمل أحدهما الآخر؟

لنبدأ أولًا بمتعة الخيال التي قال عنها المؤلف الأيرلندي الشهير جورج برنارد شو: “الخيال هو بداية الإبداع، إنك تتخيل ما ترغب فيه، وترغب فيما تتخيله، وأخيرًا تصنع ما ترغب فيه”. وبالتالي فمعظم الفلاسفة والمفكرين أدركوا أن الخيال هو المفتاح الأساسي لتحقيق الواقع و الوصول إليه، و يظل هذا الأخير المساند الأساسي للفكر الإنساني و الملازم له خاصة في العلوم و الفكر بصفة عامة. ولنتذكر دائمًا أب الفلسفة الحديثة روني ديكارت الذي ينتمي للمدرسة العقلية و الذي اشتهر بقواعده لمعرفة حقيقة ما وضمنها نجد البداهة: أي التصور الذي يتولد في نفس سليمة منتبهة عن مجرد الأنوار العقلية، ونجده حتى في وصف ملكة الإنسان “العقل” بكونها التي تتخيل وتتصور بغض النظر كونها تفكر وتميز.

إن الخيال لم يتولد لدى الإنسان صدفة، وإنما جاء ليؤدي أدواره المهمة والتي نراها اليوم بشكل ملموس في كل المجتمعات؛ فدوره الأساسي يتجلى في تأمل القوانين الكونية وتصور طريقة عملها من أجل الخلوص إلى قاعدة علمية محددة، فالخيال العلمي إذن هو الذي يولد وينتج فرضيات يحتمل أن تقبل الصواب في بعض الأحيان، و هذا ما يجعل العلماء و العباقرة يتعمقون في هذا المجال بشكل أوسع جراء معرفتهم بأهمية الخيال في الوصول إلى الحقيقة. و يمكن القول بشكل ملخص أن الخيال يؤدي إلى فرضيات ثم إلى تجارب ومن ثم الوصول للحقائق. إضافة إلى ذلك فالخيال يوظف أيضًا في تصور المشاريع المستقبلية، مثل البنايات العالمية المشهورة و الأبراج و بناء المدن المستقبلية و غير ذلك. كما نجد الخيال لا يقتصر استعماله في الجانب العلمي فقط، و إنما يوظف في الجانب الأدبي كذلك عن طريق التفنن و الإبداع في عدة مجالات في هذا الصدد كفن الرسم والكتابة والمسرح والموسيقى وما إلى ذلك من الإبداعات الفنية التي تخلق في الوجدان الإنساني طابعًا فريدًا من نوعه.

إن الخيال لايزال يعد إشكالًا لدى عدد كبير من المجتمعات التي لا تزال فاشلة في توظيف الخيال داخل أوساطهم المعيشية بكونهم لا يشجعون على ثقافة التفكير و التخيل، وذلك يسود خاصة في مجتمعاتنا العربية؛ حيث نجد التشجيع على ثقافة التخيل ينحصر في اللقاءات الرسمية و الإعلامية فقط، أما إذا دققنا في أوساط الأحياء الشعبية سنجد غالبًا الذين يتسمون بالخيال لا يزالون يُنعتون بالشخصيات الغير السوية و الانطوائية.

وعليه فيجب على البشرية أن تعي تمامًا بأهمية الخيال ودوره في الوصول إلى الواقع الأفضل الذي يطمح إليه كل فرد منا و تحقيق مزيد من الإبداعات على نطاق أوسع في العالم باعتبار الخيال أول خطوة للوصول إلى الواقع.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق