مدونات

الخلاف سنة الكون

يحاول البعض أن يجعل جميع أصدقائه أو متابعيه يقتنعون بنفس أفكاره، والحقيقة أننا خلقنا لنكون مختلفين وعلينا تقبل هذا الاختلاف، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”.

يجب علينا وضع هذا المعتقد بداخلنا لنعيش حياة سوية، وقبل الدخول في موضوعنا علينا نطرح هذا السؤال، هل هذا الخلاف والتباين في وجهات النظر خطأ أم ظاهرة صحيحة؟ ثم من عليه أسبقية التغير الفرد أم المجتمع؟

إن الخلاف هو ظاهرة صحية، وهو أمر فطري وجده الله بداخل كل واحد منا، فهذا أبيض اللون وذاك أحمر والأخر أسود، فنحن لسنا نسخًا مكررة من بعضنا البعض، ولو كان الأمر متشابهًا لفقدت الحياة معانها.

فنحن مختلفين في المفاهيم والاتجاهات وفي حرية العقيدة، ولنا الحق في اختيار البدائل؛ ولكن هذا الاختيار يجعلك تتحمل نتيجته لذلك كان الثواب والعقاب، والسؤال المطروح هنا؛ متى يكون الخلاف مقبولاً ومتى يكون غير مقبولًا؟

يكون الخلاف مقبولاً عندما تكون المصلحة العليا هي التي تحكم، ويكون طرفي الخلاف متفقين فيما بينهم على الاحترام المتبادل لهذا الخلاف مع الوضع في الاعتبار الصالح العام.

ويكون الخلاف غير مقبول ومرفوض عندما تحكمه الأهواء والمصالح الشخصية، ويكون الخلاف ليس إلا للخلاف والجدال فقط لا لانتصار الحق، بل هو لانتصار الأهواء، حتى وإن كانت خاطئة، ويكون الجدال ما هو إلا لخلق حالة من السفسطائية وحلقات لا منتهية من الجدال.

لذلك من أدبيات الخلاف هو مراعاة مشاعر الآخرين دون تقديم أي إيذاء لهم، حتى لا يحدث شرخاً في كيان الأمة، والخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وبالنظر إلى مقولة الشافعي “رأي صواب يحتمل الخطأ ورأي خطأ يحتمل الصواب “.

ولننظر إلى النبي في محاورة المشركين في شأن الرسالة، وهو يريد إقناعهم ويذكرهم بنعم الله عليهم، فيقول لهم كما حكى القرآن “قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله..”، ثم ينصفهم القرآن في الرد فيقول لهم “وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين”، ومعلوم من على هدى ومن في ضلال مبين ولكنها أدبيات الخلاف.

ونعود إلى السؤال الثاني؛ من الذي يجب أن يتغير أولاً الأفراد أم المجتمع؟

كان هناك شاب في عمر الثلاثين رأى أن الظلم متوغل في العالم، فأخذ قراراً بتغيير العالم، وحاول عشر سنين وفي النهاية فشل، وقال: ربما يكون تغيير العالم أكبر مني، فقرر أن يهبط بحلمه نحو التغير ليبدأ من أسرته، وبعد عشر سنين فشل أيضاً، وفي النهاية اكتشف أن التغيير يجب أن يكون نابعًا من نفسه أولاً، فيقول الله سبحانه وتعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” والحكمة تقول لا تنهى عن فعلٍ وتأتي بمثله، فلو أردت ترك الناس للتدخين، فعليك أولاً عدم التدخين حتى يقتنع الناس بما تقول.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق