ثقافة وفنونسياسة وتاريخ

الخلافة العباسية بين مستلزمات السياسة وعباءة الدين

كان استغلال الأحاديث النبوية والنبوءات والملاحم جزءًا من الدعاية السياسية للعباسيين -الخلافة العباسية- حيث ادعى الدعاة العباسيون أن هناك “علامات مخبرات” عن قرب مجيء أصحاب الرايات السود من المشرق التي لا ترد قط، كما عملوا على إشاعة أحاديث تخبر بأن الخلافة كائنة في أحفاد العباس ين عبد المطلب، عمّ الرسول- صلى الله عليه وسلم-، وأن الأمر فيهم إلى يوم القيامة. وتظهر الملاحم والنبوءات في الدعوة العباسية فكرة المهدي من بني العباس وفكرة النقباء الاثني عشر والدعاة السبعين اقتداءً بنقباء الرسول صلى الله عليه وسلم بعد بيعة العقبة ([1]).

وحين فشا خبر الدعوة إلى الخلافة العباسية أقبلت الشيعة العباسية من كل جانب إلى مرو، وقد كثر جمعهم وسودوا ثيابهم ونصبوا أعلامهم، ونشروا راياتهم، فصلى بهم سليمان بن كثير الخزاعي يوم العيد، وهي أول جماعة كانت لأهل الدعوة، وفي الوقت نفسه كان فحطبة بن شبيب الطائي قد وصل إلى مرو ومعه علمين من إبراهيم الإمام: الأول يدعى الظل ويرمز إلى ديمومة الدعوة العباسية وأنها ستبقى بقاء الظل في هذه الأرض. الثاني يسمى السحاب ويرمز إلى عالمية الدعوة وانتشارها وشمولها كل العالم.

دارت معركة في جابلق سنة 131 هـ بين الأمويين بقيادة عامر بن ضبارة والعباسيين بقيادة قحطبة الطائي، وحين التقى الجمعان نادى رجل من عسكر الأمويين على المسودة: “يا معشر المسلمين اتقوا الله وراجعوا جماعاتكم ولكم الأمان على ما أحدثتم في هذه الفتنة ولكم العطاء والرزق الواسع”. فدعاهم رجل من عسكر العباسيين: “إنا والله ما ننازعكم دنياكم وما عليها نقاتلكم ولكنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى الرضا من أهل بيته فإن قبلتم كنا وأنتم متعاونين” ([2]).

وفي يوم 10 محرم 132هـ دخل وزير آل محمد أبو سلمة الخلال مسجد الكوفة وخطب في الناس قائلا: “إن الله قد أكرمكم بهذه الدعوة المباركة التي لم تزل القلوب تتشوق إليها فخصكم الله بها وجعلكم أهلها إلا أنه ليس لأحد فيها شرف إلا بعدكم ولا منزلة في خباء ولا في مجلس ولا مخرج عند أئمتكم إلا دونكم ألا فإنها دولتكم فاقبلوها و أيقنوا بنصر الله إياكم كعادته فيما أبلاكم حتى أبلغكم ما أنتم فيه فاعتبروا بما مضى وتحفظوا من خدع السفهاء وتزيين شياطينهم لكم اتباع أهوائهم فإنهم سيتفرغون لكم بالحسد على هذه النعمة فاتهموهم ولا تقاربوهم و أبشروا بالخير الكثير في عاجلكم إلى ما قد ادخره الله لكم في آجلكم“([3]).

برر العباسيون شرعيتهم بالحكم في ثلاثة شعارات:

  • حق القرابة. فقد قال أبو العباس في أول خطبة له بعد البيعة: “وخصنا الله برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنبتنا من شجرته، وأنزل بذلك كتابًا فقال فيه (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)” ([4]). وقال المنصور في رسالته للثائر محمد النفس الزكية: “ولقد علمت أنه لم يبقَ أحدٌ من بني عبد المطلب بعد النبي صلى الله عليه وسلم غيره”([5])
  • حق الحرمة. حيث أشار المنصور في الرسالة نفسها:” إن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحجيج الأعظم وولاية زمزم فصارت للعباس من بين إخوته …فلم تزل فينا في الجاهلية والإسلام …فالسقاية سقايته وميراث النبي له والخلافة في ولده “([6]).
  • حق القوة. ذلك أن العباسيين نظموا حركة سرية استطاعت بقوة السلاح إزاحة الأمويين وتنصيب العباسيين في الحكم  وبدأوا يؤكدون في مراسيمهم على النواحي الدينية، فصارت بردة النبي صلى الله عليه وسلم- الشارة الأولى للخلافة، يرتديها الخليفة في المناسبات العامة كصلاة الجمعة والعيدين([9]). وأمام الواقع الجديد، فلم يعد للشعب يد في أمر الخلافة، ولم يكن له إلا أن يبايع على الولاء والطاعة.
  •   كما أن طول عمر الدولة العباسية التي شهدت مجيء الدولة الفاطمية وزوالها على يد صلاح الدين الأيوبي المؤيد للخلافة العباسية([11])، وقيام الدولة السلجوقية وظهور الكثير من الدول واختفائها، ثم انتعاش الخلافة العباسية بعد طرد السلاجقة ([12]) أن كان لكل ذلك أثرًا قويًا في ترسيخ الاعتقاد في أذهان الناس بأن هذه الخلافة باقية ومؤيدة من عند الله، والخليفة ظل الله في أرضه، وأن هذه الخلافة خالدة، فأحيطت بهذه الهالة من التعظيم والتقديس، وجهر بعض الشعراء بشرعية الخلافة، وعرّضوا بمن لا يرى ذلك. قال الشاعر مقرب العويني في الخليفة الناصر لدين الله([13]):
  •      وكان نتيجة ما سبق أن ازدادت قدسية الخليفة حتى صار يُدعى ” خليفة الله”، وازداد الأمر رسوخا في أذهان الناس الدعاية التي بثها العباسيون منذ البداية بأن الخلافة ستبقى في أيديهم إلى الأبد، يدل على ذلك ما ذكره الطبري من أن إبراهيم الإمام أرسل إلى أبي مسلم الخراساني راية أسمها ” الظل” وتأويل الظل كما يقول الطبري أن الأرض لا تخلو من الظل، وكذلك لا تخلو من خليفة عباسي أبد الدهر([10]).
  •      ما أن أعلن العباسيون خلافتهم إثر إسقاطهم لحكم بني أمية “المستبد”، حتى ساروا على نهجهم في مسألة الوراثة في الحكم، ليس هذا فحسب، بل تعد الأمر إلى الادعاء بأن أمر الوراثة هو من الله المفترض الطاعة، مؤكدين في الوقت نفسه الطابع الديني لحكمهم، وأحقيتهم في الحكم، منطلقين من قرابتهم للرسول – صلى الله عليه وسلم. ويظهر هذا جليا من الخطبة الافتتاحية التي ألقاها أبو العباس السفاح بعد اعتلائه سدة الحكم سنة 132هـ\ 749م ” وجعلنا أحق بها وأهلها، وخصّنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا، حريصا علينا بالمؤمنين رؤوفا رحيما، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم فقال عز من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: ” قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى”([7]) قاصدا بذلك إلى أن الله فرض على المسلمين أن يرث رسوله أقرباؤه، فكانت هذه الآية عنوان الحق الشرعي في الحكم العباسي. وقد بثوا هذه الآراء كثيرا في دعايتهم، وأكدوا للناس أن الله جعل انتقال الحكم إلى أولي الفضل من عصبة الأنبياء بعدهم كمكافأة لهم. وأنه فرض على المسلمين طاعة آل البيت في محكم كتابه([8]).
إمامته الحق اليقين وغيرها إذا ما استبينت ترهات صحاح

وقال سبط ابن التعاويذي في الخليفة المستضيء:

لك النهي بعد الله في الخلق والأمر
وطاعتك الإيمان بالله والهدى
وفي يدك المبسوطة النفع والضر
وعصيانك الإلحاد في الدين والكفر

وعاد الشعراء من جديد، يبثون أفكارا دعائية تعزز الولاية الدينية للخليفة، فصوَّر الشعراء الخليفة العباسي تصويرًا مفخمًا مقدسًا، فهو حجة الله ونائبه، وظله على الأرض، وقد كان الشاعر سبط ابن التعاويذي مثلا حيا لتلك الدعاية الإعلامية، فمما قاله في الخليفة الناصر لدين الله([14]):

يا نائبَ اللهِ في الأر
فَنحنُ نَلتَمِسُ الرِّز

ضِ والخَليفةُ عنه
قَ والمَعُــونَـــــةَ مِنـــْــه

ويظهر أن مكانة الخلافة وهيبتها أخذت بالاستقرار من جديد في نفوس عامة المسلمين في كافة الأقطار، فهم مجمعون على شرعية الخلافة العباسية، حتى وإن أدى بهم الأمر إلى معارضة حكامهم المباشرين، ولعل فيما أشار إليه ابن الفوطي دليل على ذلك، ففي عام 609هـ/1213م وقع الخلاف بين السلطان محمد خوارزم شاه والخليفة الناصر لدين الله، فاجتمع جماعة من خواص السلطان، وقرَّروا قطع خطبة للخليفة الناصر، وبيعة أحد علمائهم المدعو علاء المُلك القندري، فلما علم أهل خراسان بالأمر، رفضوه، وقالوا: ” إن بيعة الناصر صحت عندهم، ولم يظهر لهم خلافها، فبطل ما كان دبروه”([15]).

وهناك مسألة مهمة مرتبطة في جهود الخلفاء، تمثلت بتوطيد العلاقة بين مؤسسة الخلافة العباسية وفئة لها تأثرها المباشر في المجتمع، ونقصد بهم الشعراء، فقد اتخذت الدولة في عهد الخليفة الناصر لدين الله إجراءً يدل على بعد نظر ودهاء سياسي عندما جعل الخليفة مجموعة من الشعراء النابهين موظفين في ديوان دار الخلافة، ليكونوا الناطقين باسمها، والإعلاميين الذين ينشرون بين الرعية مآثرها وانجازاتها. فقد خصصت لهم ديوانا عرف بديوان الشعراء. وكان هؤلاء لهم مخصصات ماليه منتظمة تدفع من دار الخلافة، ولعل من أشهر الشعراء الذين ضمهم الديوان: سبط ابن التعاويذي([16]) .

وإذا عدنا إلى موضوع الاحتفالات ورعاية الخلافة لها، فإنا نجد تلك الرعاية تنطلق من المنطلقات السالفة الذكر، فقد أولتها عنايتها، لا سيما الدينية منها، فكانت مشاركة الخلفاء بها فرصة لتحقيق الغايات التي كانت تتطلع إليها دار الخلافة العباسية وعلى رأس ذلك البعد الإعلامي، والتي خلّدها الشعراء في قصائدهم، وإعادة توكيد الروابط والعلاقة بينهم كحكام أصحاب النفوذ الديني والسياسي والرعية. فمما قاله سبط ابن التعاويذي في عيد الفطر مادحا الخًليفة الناصر([17]):

    فاستأنف العمر المديد بدولة
وتمل عيدا في بقائك عيده
أأيامها كالروضة المئناف
واسعد به وبمثله آلف

مراجع:

[1] ) مجهول، أخبار العباس، طبعة دار الطليعة، 1971، ص179، ص 214.

[2] ) مجهول، أخبار العباس، ص340.

[3] ) مجهول، أخبار العباس، ص375.

[4] ) الطبري، تاريخ، طبعة دار التراث، ج7، ص425.

[5] ) الطبري، تاريخ، ج7، ص571.

[6] ) مسكويه، تجارب، طبعة ايران، 2000، ج3، ص400.

[7] ) الطبري، تاريخ، ج7، ص425.

[8] ) عبد العزيز الدوري، النظم الإسلامية، منشورات جامعة بغداد، بغداد، 1988، ص45.

[9] ) نفسه، ص46.

[10] ) الطبري، تاريخ، ج7، ص356؛ الدوري، النظم الإسلامية، ص45.

[11]) ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن محمد، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1966م، ج9، ص365.

[12]) ابن الجوزي، المنتظم، ص96.

[13]) الدوري، النظم الإسلامية، ص46.

[14]) سبط ابن التعاويذي، الديوان، تحقيق مارجليوث، مطبعة المقتطف، القاهرة، 1903، ص 441

[15]) ابن الفوطي، مجمع الآداب، ج4، ق2: 1085.

([16]) للمزيد عن شعراء الديوان، انظر: العبود، عبد الكريم ، الشعر في العراق من سقوط السلاجقة إلى سقوط بغداد: منشورات وزارة الاعلام، بغداد، 1976: 88-89.

([17]) سبط ابن التعاويذي، الديوان، ص 288.

د. محمد عبد الله القدحات

استاذ التاريخ الاسلامي المشارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى