سياسة وتاريخ

الخلافة الراشدة والملك العضوض

لم يعرف العالم الإسلامي الخلافة الإسلامية الراشدة إلا فترات قصيرة في تاريخه الممتد عبر ألف وأربعمائة وواحد وأربعين عامًا، وإنما عرف الملك العضوض الذي حكم باسم الإسلام.

الحكم الأموي

وهذا الملك الأموي باستثناء حكم الخليفة العمري، استحالة أن نسميه خلافة إسلامية، بل كان ملكاّ أموياً خالصًا، شهد فيه المسلمون ألواناً من الانقسامات، وألواناً من الظلم والتعسف، نراها في معاملة الأرقاء والأعاجم، والصراع القيسي المضري، ومعاملة أهل البلاد المفتوحة، وكل هذا كان سببًا مباشرًا من أسباب سقوط الدولة.

العصر العباسي الأول

أما الحكم العباسي، فكان تكريسًا للملك العضوض، ويكفي أنه قام على الترويج للعلويين ثم عمل على إقصائهم والتنكيل بهم، بل والتنكيل بمناصريهم، ولم يسلم لا البيت العلوي ولا الموالون لهم من العلماء أمثال مالك وأبي حنيفة والشافعي من جور البيت العباسي.

العصر العباسي الثاني

ولو سرنا على تقسيم فترة الحكم العباسي إلا عصرين، فمحال أن يكون العصر العباسي الثاني في كل فترات حكمه، بل وفي كل شخوص حكامه، محال أن نطلق على هؤلاء خلفاءً، أو أن نطلق على نظام الحكم أنه خلافة تتوحد فيها الأمة على قلب رجل واحد.

فقد كان الترك والبوهيون والسلاجقة يتحكمون فيمن يخلف المسلمين، بل يتحكمون في حياته، ويكفي الهزات التي تعرضت لها الدولة الإسلامية عبر قرون طوال، والتي تبين لنا هشاشة نظام الخلافة العباسية.

الحكم العثماني

وإذا أتينا إلى الخلافة العثمانية، فمحال أن تكون دولة يكون أول قرار يأخذه الخليفة، أن يقتل أخوته الذكور، محال أن نقول عنها أنها دولة خلافة تأتمر بنظام الإسلام، فهي دولة كانت تقوم على تكريس الملك العضوض في بني عثمان، بل أحياناً تقوم على تكريس حكم الفرد.

ويكفي أن نعلم من حياة أول خليفة عثماني سنة ألف وخمسمائة وسبع عشرة من الميلاد، وهو سليم الأول، كيف وصل إلى الحكم، وكيف تسبب في موت أبيه بعد عزله، وكيف كان صراعه مع إخوته، وكيف فتت قوة الدول الإسلامية من حوله بالمؤامرات والفتن، وكم سفك من الدماء، لنقول: محال أن تكون هذه خلافة يرتضيها الشرع.

حالة مصر في ظل الحكم العثماني

والأهم من هذا كله، كيف كانت تعامل الشعوب تحت حكم الخلافة في كل عصورها، سواء أكانت الخلافة الأموية، أو العباسية، أو العثمانية.

أتحدث فقط عن حالة مصر الاقتصادية والاجتماعية في ظل الخلافة العثمانية، ففي اليوم الأول الذي خطت فيه قدم سليم الأول أرض مصر بخطواته المشئومة، عمل على تطبيق النظام الاقطاعي في مصر، ومع أنه كان معمولًا به قبله، إلا أنه شدد من وطأته ليستنزف خيرات مصر، إلى أن جاء ولده سليمان القانوي وطبق نظام الالتزام الذي عجز الفلاح المصري عن الصبر عليه، والذي أثقل كاهله حتى ترك أرضه هاربًا من نظام الالتزام، ومن ظلم الجند والولاة وكل مشارك في هذا النظام والمعين عليه، بدءًا من الغفير حتى الوزير، ويكفي أن الفلاح المصري كان يعامل معاملة “القن” في الحكم الروماني.

وأما عن الحالة العلمية، فلم تتقدم مصر في ظل الحكم العثماني في أي مجال من مجالات العلوم، مما أضعفها فجعلها تسقط أمام مدافع نابليون التي أيقظت المصريين على العالم الجديد، والتي أعلمتهم أنهم كانوا في كهف بني عثمان مغيبين عن العالم وتطوراته، بل ترك بنو عثمان مصر تواجه الفرنسيين وحدها، ولما تحررنا عادت إلينا لتستنزف خيرنا.

أهداف الخلافة في الإسلام

إن الإسلام أشرقت شمسه على الدنيا لرفاهية الإنسان، ولتكريمه على أساس أنه إنسان، وأي نظام حكم لا يراعي العدالة الاجتماعية ولا الكرامة الإنسانية، فهذا حكم جائر لا يرضاه الله تعالى ولا يحق لنا أن نسميه” خلافة”، بل هو ملك عاض سرعان ما يذهب.

وباسثناء فترة الخلفاء الراشدين الخمسة، لم يعرف العالم الإسلامي معنى العدل ولا الإنسانية، بل هو الجور والظلم، ورفاهية الحاكمين على حساب الشعوب، لا أستثني من ذلك عصرًا من العصور.

فلهؤلاء الذين ينادون بعودة الخلافة أقول: أنتم تنادون بعودة الظلم المغلف بغلاف الدين، وباسم الدين، ولي نظرة في حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها إذا شاء، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت).

ليس المقصود بالخلافة هنا مسماها، فنجمع المسلمين تحت لواء واحد حسن الشكل، ثم لا نهتم بحال الإنسان، بل المراد بالخلافة هنا، هو العدل والرحمة والتكريم وإعطاء كل ذي حق حقه، وهذا لم يتوافر أبداً في أي عصر من عصور العض على الملك أو عصور الجبر الممتد في أمتنا.

فعلينا ألا نقف كثيراً أمام المسميات، بل نعتني بالجوهر حتى لا نسيء إلى الدين باسم الدين، فليس لنظام الحكم في الإسلام نمطاً معيناً يتوجب علينا التزامه، بل عندنا الإطار العام للحكم، وهو الشورى والعدل والمباديء التي تكفل الحقوق والواجبات من الطاعة وأداء الأمانة.

وأي نظام يقوم على هذا الإطار فهو خلافة على منهاج النبوة، فالمهم أن يكون المسلمون كمثل الجسد الواحد، أما الأرض الواحدة والحكم الواحد والأسماء البراقة والشعارات الرنانة، فهذا لن يصل بنا إلى شيء غير تكريس الظلم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق