مدونات

الخطبة والخطباء

وقليل ما هم.. أستهل مقالتي هذه بالحديث عن القليل من الخطباء، ولست أقصد بهؤلاء المفوهين منهم وملوك الكلام والدعوة، بل أقصد من ترى الروح تسري طي كلماتهم التي نأخذ منها العظة، كلماتهم تأخذنا من حال إلى حال، كلماتهم تجعلنا نرى الطريق مشرق وواضح، كلماتهم تأخذنا من ظلمات الجهل إلى نور العلم، هؤلاء هم القليل أصحاب الفكر والذكر.

لقد خسرنا كثيرًا حينما جعلنا الخطبة وظيفة، يؤديها الخطيب لكي ينهي عمله ثم يذهب إلى بيته ليقضي باقي يومه، أخطأنا كثيرًا حينما حولنا الأمر من دين إلى دنيا، حيث تحول الكثير من الخطباء إلى أجراء يتقاضون مالًا نظير كلمات حفظوها أو يحفظوها، ثم يلقونها على مسامع الحاضرين فهموها أم لم يفهموها، إنما الأهم أن يقضون المهمة ثم يحصلون على المقابل المادي، ثم ينصرفون، فصرف الله القلوب عنهم.

إن الخطبة التي يتم إلقاؤها في المناسبات الدينية وتحديدًا يوم الجمعة باعتباره عيدًا أسبوعيًا للمسلمين لا ينبغي أن تكون خالية من المعاني الروحية المهذبة للسلوك الإنساني على وجه الأرض، ولا يليق أن تكون كلمات محفوظة بلا روح وبلا معنى، ولا يصح أن يلهث قائلها وراء الأجر والمقابل المادي، وليس من المنطقي أن تنفصل عن الواقع المعيش وتكون بمنأى عن الشئون الحياتية اليومية؛ وإنما هي وقفة للتدبر فيما مضى والتفكر فيما هو آت.

إننا في أمس الحاجة إلى الخطيب الذي يعي جيدًا ويفقه الدين ويعلم عن الدنيا، وذلك ليجعلنا ننظر إلى دنيانا بمرآة ديننا، كما أننا نحتاج إلى خطبة حيوية، بناءة، تربط أصول الدين بواقعنا الذي نعيشه، لأنه لا ينبغي أن تكون موضوعات الخطب الملقاة في واد وحياتنا في واد آخر، إنه ليس مقبولًا أن تتحول الخطبة إلى عمل روتيني للخطيب وللحضور، بحيث يعتاد الخطيب أن يكرر كلماته كما يعتاد الحضور أن يحضرون من باب إثبات الحضور فحسب، فنحن بحاجة إلى وجود تفاعل حقيقي بين الخطيب والمستمعين، وبينهم وبين المجتمع، بحيث يطبق الخطيب ما يدعو إليه، وينصت المستمعون إلى ما يُلقى إليهم، ويعملون على تطبيقه بحيث يكون لهذه القيم والتعاليم أثر على السلوك الإنساني.

ومن الأشياء التي تلفت الأنظار لدى الكثير من الخطباء، الحشو والتكرار وطول أمد الخطبة، وذلك يصرف انتباه الحضور، حيث أن تكرار الحديث ما هو إلا قلة علم من الخطيب، وطول الأمد ووقت الخطبة يصرف الناس عن التفاعل معها واستيعابها، بل يرجون مضي الوقت لكي ينهي الخطيب خطبته، لذا ينبغي على الخطيب الداعية الحق أن يكون كلامه موجزًا واضحًا بدون الإسراف في البلاغة حتى يستفيد من خطبته البسطاء والعلماء، وأن يضمن وصول المعلومة إلى المستمعين وكذلك لا يبالغ في وقت الخطبة حتى لا ينصرف الناس عنه وحتى لا تنصرف أذهانهم إلى غير حديثه.

إن الخطبة يجب أن تشتمل على القيم والفضائل من الأمور، حتى تتجسد هذه القيم والفضائل في سلوك الحضور، وإذا خرجوا من صلاتهم استفادوا وأفادوا غيرهم بقولهم عن الخطبة أو بأفعالهم، وحينما تصل المعلومة بصورة مبسطة ودقيقة إلى أذهان وقلوب المستمعين سنجد العالم من حولنا يلتفت إلينا وإلى قيمنا ويسعى للاقتداء بنا لأنه يجد نتائج التحلي بهذه القيم في حياتنا.

وإنني في مقالي هذا أتحدث عن الخطباء المتأسين بالرسول محمد صل الله عليه وسلم، ولا أتحدث عن هؤلاء المعروفين بعلماء السلطان ولا المتحزبين منهم أصحاب العقول والصدور الضيقة ولا دعاة الإرهاب والتطرف ولا المفرطين في دينهم لأجل دنياهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي
زر الذهاب إلى الأعلى