ثقافة وفنون

الخطاب الحجاجي بين بلاغتَين

الما قبل والما بعد

لا جرم أن هذه الدراسة تسعى جهدها إلى إذكاء التواشج بين البلاغة والألسنية، وتهدف -فيما تهدف- إلى تنويع سبل هذا التعالق، متجاوزة المقاربة اللغوية التداولية؛ لأنها متجذرة بطبيعة الحال، إذ إن الألسنية وسائر المناهج الحديثة التي اصطنعها نقاد الحداثوية استولدوها من رحم البلاغة الأم، فتناتجت نظريات وطروحات غدت من الكثرة الكاثرة عسيرة الاستحصاء والاستقصاء؛ مما يشي بحيوية ومرونة بلاغتنا العربية؛ حيث إنها المهاد الذي يغذي كل أولئك بمقومات النماء والحياة والتطور.

إنها أبدًا ما كانت عقيمة، بيد أننا مَن أصابنا العقم والجدب والجمود، حيث عكفنا نستعرض جهود العلماء وما أضافه هذا العالم وما عارض به ذاك البلاغي وجديد الموضوعات البلاغية وسمًا لا متنًا؛  فكانت سيرة العلماء مأمتنا وقبلتنا فانصرفنا بكليتنا عن المتن البلاغي، حتى إذا ما تكلم الغرب في موضوع ما واهمًا استحداثه تقاطرنا زرافات ووحدانا، وشطرهم، فإذا هم يصدون عنا صدوداً حتى إذا ما استبد بنا بعض التريث فعكفنا على تراثنا مرغمين بعدما كان من الغرب.

إدَّاركنا أن ما كنا نمني النفس بإدراكه لهو جاثٍ بين أيدينا دونما كبير جهد، وأن تراثنا قد استوعب ذلك وانتظمه واستغرقه، لقد استنفذ الغرب جهده واجتهد طاقته في استيعاب تراثنا، وإنني لأزعم زعمًا يصل حد اليقين أنهم بلغوا في ذلك ما لن نبلغه نحن، لقد نجح الغرب نجاحاً طيبًا بمباركتنا أيضًا في إلهائنا عن تراثنا، وهذا هو حالنا، فلا نحن تشبثنا بتراثنا، ولا نحن لحقنا بركب الغرب، فكنا بيْن بيْن، وهذا (البيْن لا يجدي نفعًا، أمة بلا هوية) .

البلاغة الجديدة أكذوبة

وابتناء على ما سبق، فإننا لا نتفق مع مقولة (البلاغة الجديدة)، تلك التي ظهرت في منتصف الخمسينيات؛ حيث إن كل جديد إذا اسقريته على مكث، فلن تجده مغايرًا لبلاغة الجاحظ، مخالفًا لبلاغة الجرجاني معارضًا للقرطاجني.

هكذا أضف إلى ذلك أن التقعيد البلاغي مذ قعدَّه السكاكي كما هو؛ إنها البلاغة ذات الترسيمات والحدود والتقسيمات، فهذا الجديد المزعوم ما هو سوى صورة تعكس الأصل، مع بعض التباين في طريقة التناول والصياغة، وتحوير في الوسم فحسب، ألأجل ذلك نسقط من حسابنا تراثًا من لدن آدم إلى الآن؟ من أجل شكليات لا تسمن ولا تغني من جوع ؟

إننا نرى مغالطة ولغوًا إزاء هذا كله، بيد أننا نطمئن إلى وسم بلاغة هذا العصر بـ(البلاغة المتطورة)، نعم إذ تم تلقيحها بمفاهيم تتجاوب مع معطيات العصر وتستجيب لمتطلبات العلم الحديث وتتقاطع مع مستجدات التطور الفكري المتواتر.

ولقد طفقت الدراسة بإنزال هذا الكلام أرض الواقع واختبار مدى صحته، وشرعت متناولة أحد المصطلحات الجديدة، فانتخبت (الحِجاج) ليكون تطبيقًا عمليًا في مجابهة الذين يطيِّرون زعم (البلاغة الجديدة) مقتدين بالغرب دون وعي؛ لاجتثاث هويتنا العربية، لقد عالج القرآن الكريم هذا المصطلح في آيات كثيرة –بلغت خمس عشرة آية من آيات الذكر الحكيم- ومواقف عديدة، واتسع لمشاهد كاملة بين الأنبياء والمعاندين من قومه، كالذي دار بين سيدنا موسى وفرعون، وسيدنا عيسى وبني جِلْدته، وكذلك ذات الشأن مع سيدنا محمد وقومه.

وهكذا غدا لدينا رصيداً وزخمًا مذخوراً، مما ينبئ عن نظرية كاملة الأركان من استدلال وقياس ومبرهنات ودلائل ورؤى منطقية، وتولد عن ذلك كله الاقتناع فالإقناع كما ورد حكاية عن قصة سيدنا إبراهيم مع النّمرود، وكيف تأدى به في النهاية إلى الإذعان والتسليم حين قال:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)البقرة:258، وإذا كان( كل تواصل تحاجج وكل تحاجج نواصل )[1] كان لنا أن ندرك أن فنون القول بأقطبها حجاج، وأنه مولود منذ نشأة الإنسان في المجتمع، أي مجتمع قائم على الاتصال والتواصل.

إننا لو طالعنا سفر البلاغة العربية من غابر الحقب، لوجدناها تتشح بهذا المصطلح بلا هوادة؛ لأنها تخضع لعاملين تقع تحت تأثيرهما (لكل مقام مقال، ومطابقة الكلام لمقتضى الحال)، وكل ذلك مراعاة لأصول الكلام والجدال والحجاج فيأتلف ما قد اختلف، فمراد أي تواصل إقناع الآخر بصدق دعواه واستمالته والتأثير عليه.

وقد حفلت البلاغة العربية بذلك؛ من حسن التعليل،  وحسن التفسير، المذهب الكلامي، وهنالك أدب المناظرة وآداب الحوار وآداب الحديث، وعلم الكلام والحجاج والجدال، لقد اكتسب هذا المصطلح شرعنته الوجودية من كون انتظامه في آيات تتلى آناء الليل وأطراف النهار.

كما أننا بيسير من الجهد نتلو عليكم ما تيسر من الزخم المذخور لدن نفرٍ من السلف الصالح لعلمائنا،   فهذا هو الجاحظ (ت255ه) يقول “إن جماع البلاغة النصر بالحجة “([2])، وهذا هو هو ابن وهب (ت337ه) يجعل الاحتجاج من أنماط النثر “فأما المنثور فليس أن يكون خطابة أو ترسلاً أو احتجاجًا”([3])، وفي ذات القرن، القرن الرابع الهجري يطالعنا أبو هلال العسكري (ت 395ه) في صحفه النقاشة من خلال كتابه الصناعتين قائلا “جماع البلاغة :البصر بالحجة”[4]

وفي موضع ثان “البلاغة قصد إلى الحجة “،[5] ويعقد فصلاً كاملاً عن الاحتجاج –الفصل الحادي والثلاثين –وهذا الجنس كثير في كلام القدماء والمحدثين”.[6]

ولا نكاد نتقدم إلى فجر القرن الخامس الهجري حتى نلقى هذا الوليد الباجي (403-474ه) ينتهي من تأليف كتابه الذي يحمل ذات المسمى (المنهاج فى ترتيب الحجاج )، فلم يعد الأمر يقتصر على عبارة مقتضبة أو مسهبة في الحجاج هنا أو هناك، ويسِمه العلم، “وهذا العلم من أرفع العلوم قدر…ا وأعظمها شأنًا؛ لأنه السبيل إلى معرفة الاستدلال وتمييز الحق من المحال، ولولا تصحيح الجدل لما قامت حجة ولا اتضحت محجة ولا عُلم الصحيح من السقيم ولا المعوج من المستقيم”.[7]

لقد توطدت أصالة الحجاج عربيًا عبر هذا المفكر العربي الذي بلا شك يجعل كل من اجتهد بنفي علاقة هذا المصطلح بالبلاغة العربية تجعله لن يحر جواباً، وسيقف مشدوها حيال تلك المفاجأة،[8] وثم ابن رشيق القيرواني، حيث يجعله ركناً من أركان تعريف البلاغة”.[9]

وكذا حازم القرطاجني (ت668ه) حين قال “الشعر كل كلام يحتمل الصدق والكذب، إما أن يرد على جهة الأخبار والاقتصاص،، وإما أن يرد على جهة الاحتجاج والاستدلال” ،[10] وفي هذا لدليل على ما يتميز به رحم بلاغتنا العربية من خصوبة ونماء.

وعلى ذلك لا نتفق جملةً ولا تفصيلاً مع د/ محمد الولي حين ذهب بربط مصطلح الحجاج بالبلاغة الجديدة “إن نظرية الحجاج بوصفها بلاغة جديدة تغطي كل حقل الخطاب”.[11]

وكذلك د. محمد العبد حين جعل حقبة الخمسينيات من القرن الماضي تستأثر به وحدها، بدعوى أنه من رحم البلاغة الجديدة “في علم اللغة النصي والنظرية الحجاجية المعاصرة عرف الحجاج وبدأت الدعوة في نهاية خمسينيات القرن الماضي إلى ما سمي بـ (البلاغة الجديدة)، وقد انبثق عن هذا كله (البلاغة البرهانية الجديدة )”،[12] وفي هذا غناء.

إننا لا يجب أن ننساق مع الغرب حين استفاق لهذا المصطلح في منتصف القرن الفائت -وذلك حين ظهوره لأول وهلة على يد بيرلمان وتيتيكا- في مصنفيهما:

( مصنف الحجاج، البلاغة الجديدة) عام 1958م، وسيَّرنا خلفه نؤكد ما أكدوه ونلغي سفرًا حافلًا احتفى واحتفل بالحجاج وقدره حق قدره.

إننا لا ننشد من وراء ذلك كله كما يقول الدكتور محمد سعيد الغامدي “إثبات مشروعية التراث بالدرس المعاصر ولا الدرس المعاصر بما يقابله من الدرس التراثي”.[13]

علينا استقراء بلاغتنا العربية من منظور الإبداع لا الاتباع، ولا أخالك –عزيزي القارئ- تجهل البوْن بينهما؛ نشدانًا لابتناء نظرية حجاجية ذات جذور عربية خالصة تضارع النظرية الغربية؛ مبنى ومعنى، نظرية مُشبَّعة بمرونة حوارية البلاغة العربية، وبالجدالية الكلامية الرامية إلى تقعيد عربي أصيل لاستراتيجية تفاعلية حاملةً رؤى طرفي العملية الحجاجية؛ ليتخلق من أجنتها خطابًا يوائم بين المقول والمقول له، خطاب يسفر عن طرح عربي يتميز بالتفرد، جاعلاً الآخر يلهث خلفه يتزود منه قدر طاقته، خطاب يُصيِّرنا إياه الفعل والآخر رد الفعل، كما كنا في أيامٍ خوالٍ قضت وتولَّت.

المصادر والمراجع

(1) الجاحظ -البيان والتبيين- تحقيق/ عبد السلام هارون -ط- الهيئة المصرية العامة للكتاب -القاهرة-  1/94.

(2) ابن وهب -البرهان في وجوه البيان- تحقيق د/أحمد مطلوب –د/خديجة الحديثي ط دار التضامن –بغداد –العراق 1967م ص150.

(3) أبو هلال العسكري – الصناعتين- المحقق: علي محمد البجاوي – محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: عيسى البابي الحلبي-ط 1-   1952 ص-47.

(4) ابن رشيق القيرواني – العمدة في صناعة الشعر ونقده- تحقيق –محمد محيي الدين عبد الحميد -ط دار الجيل –بيروت-ط5-1988م/203.

(5) حازم القرطاجني -منهاج البلعاء وسراج الادباء -تحقيق –محمد الحبيب بن خوجة-ط-الدار العربية للكتاب-تونس-ط1-1968م -ص62.

الهوامش

[1] د/طه عبد الرحمن  -اللسان والميزان أو التكوثر العقلي –د/ ط المركز الثقافي –الدار البيضاء –المغرب 1998م ص226.

[2] الجاحظ-البيان والتبيين –تحقيق/ عبد السلام هارون-ط-الهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة-  1/94.

[3] ابن وهب – البرهان فى وجوه البيان -تحقيق د/أحمد مطلوب –د/خديجة الحديثي ط دار التضامن –بغداد –العراق 1967م ص150.

[4] أبو هلال العسكرى- الصناعتين –المحقق: علي محمد البجاوي – محمد أبو الفضل إبراهيم- الناشر: عيسى البابي الحلبي-ط 1-   1952 ص-47.

[5] المصدر نفسه ص51.

[6] المصدر نفسه 416.

[7] أبو الوليد الباجي –المنهاج في ترتيب الحجاج –تحقيق الدكتور /عبد ىالمجيد تركي –ط دار الغرب الإسلامي –لبنان –ط2 1987م ص8.

[8] انظر في ذلك تأصيل الحجاج في البيئة العربية -أيمن أبو مصطفى- شبكة ملتقى أهل التفسير بتاريخ 29/3/2013 حيث يقول ما نصه “فالحجاج في البلاغة العربية أمر جديد نشأ رداً على المذاهب البلاغية التي همشت المعنى واللفظ ص2، وانظر كذلك: الخطاب الاقناعي في البلاغة العربية –د/حسن المودن –رسالة دكتوراه –كلية الآداب –مراكش –المغرب 2006م ؛ إذ يقول ما نصه “البلاغة الجديدة لها الفضل في الحديث فى الحجاج “ص49،  وانظر كذلك: بلاغة الحجاج وتقنيات التأثير –الباحثة /ربيعة العربي، الحوار المتمدن، 29-3 -2013م وكذا قرْن د/عبد الله صولة الحجاج بالبلاغة الجديدة آن حديثه في قانونه الأنفع، انظر :في نظرية الحجاج –دراسات وتطبيقات –ط مسكيلياني للنشر –تونس 2011م ص 87-88.

[9] ابن رشيق القيرواني – العمدة في صناعة الشعر ونقده- تحقيق –محمد محيي الدين عبد الحميد-ط دار الجيل –بيروت-ط5-1988م/203.

[10] حازم القرطاجني – منهاج البلعاء وسراج الأدباء -تحقيق –محمد الحبيب بن خوجة-ط-الدار العربية للكتاب-تونس-ط1-1968م-ص62.

[11] د/محمد الولي – مدخل إلى الحجاج –مجلة عالم الفكر –الكويت – 2011م مج 3/ ع40/33-34.

[12] د/ محمد العبد -النص والخطاب والاتصال  – ط -الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعي –القاهرة -2005م  ص33-34.

[13] د/ محمد سعيد الغامدي –اللغة والكلام في التراث النحوي العربي –مجلة عالم الفكر –مج34/ع3/2006م ص69.

محمد عبد الله

الاسم: محمد سعيد محفوظ عبد الله دكتوراه فى البلاغة والنقد والأول فى مواد الفرقة الرابعة قسم اللغة العربية بآداب المنصورةعام 1994 بنسبة 81.54%-درس مواد امتياز-نشر ابحاثًا وكتبًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى